ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة
ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة
بقلم: نور خالد أبو عمر
ما الذي يصيب أمةً كانت يومًا مشكاةً للمعرفة ومنارةً للقوافل، حتى تغدو غريبةً عن ذاتها، تتعثر في ظلالها وتبحث عن وجهها في مرايا الآخرين؟
وما الذي يجعل العقل، وهو أعظم ما وُهب للإنسان، ينكمش داخل أسوار الخوف حتى ينسى معنى التحليق؟
إن ما نعيشه ليس عثرةً عابرة في مسير التاريخ، ولا زلّةَ زمنٍ سرعان ما تمحوها الأيام، بل هو انحدارٌ تشكّل عبر قرونٍ من التراكم الصامت، حين أُغلقت نوافذ السؤال، وأُطفئت مصابيح النقد، واستُبدلت يقظة الفكر براحة التسليم.
في أعماق هذا المشهد يقيم ثالوثٌ كالحُ الملامح، ثقيلُ الظلال؛ جهلٌ يتغذّى على غياب الوعي، وتجهيلٌ يُحاك في الخفاء كما تُحاك الأكفان، وزيفٌ يُسقى للأرواح حتى يختلط السراب بالماء، والظل بالضياء، والوهم بالحقيقة.
وحين يكتمل طقس هذا الثالوث لا تعود الجماهير ترى القيود وهي تطبق على أعناقها، بل تباركها وتدافع عنها، ولا تعود تدرك أنها تُساق إلى التيه، لأن الطريق ذاته يلبس هيئة الخلاص.
وهكذا تمضي الحياة في دائرةٍ مغلقة؛ تعليمٌ يُفترض أن يكون نافذةً على الكون فيتحول إلى جدار، ومعرفةٌ خُلقت لتوقظ الدهشة فتغدو أداةً لتخديرها، وثقافةٌ كان ينبغي لها أن تروي شجرة الوعي فإذا بها تسقي جذور الامتثال.
فينمو الحفظ ويذبل الفهم، وتتضخم الأجوبة بينما تُدفن الأسئلة، ويُحتفى بالصوت المرتفع فيما يُنفى العقل المتبصّر إلى هوامش الحضور.
ومن بين أكثر جراح هذا الواقع نزفًا يبرز جرح المرأة؛ لا بوصفها نصف المجتمع، بل بوصفها المنبع الذي تتشكل عنده البدايات الأولى للإنسان.
فالأمم لا تُولد في القصور ولا في ساحات السلطة، بل تُولد أولًا في حضن أم، وفي كلمةٍ تُنطق لأول مرة، وفي وعيٍ صغير يتفتح على ضوء المعرفة.
لذلك كان تهميش المرأة أشبه باقتلاع الجذور ثم انتظار الشجرة أن تزهر، أو بكسر الجناحين ثم مساءلة الطائر عن عجزه عن الطيران.
لقد أُثقلت المرأة طويلًا بأغلال الخوف، وأُحيطت بأسوار الوصاية، وحُوصرت داخل تأويلاتٍ ضيقة جعلت منها كائنًا على هامش الفعل، مع أنها كانت دائمًا في قلب المعنى، وفي مركز الحكاية الإنسانية.
ولن تستعيد الأمة توازنها ما لم تستعد المرأة مكانتها الطبيعية شريكًا كاملًا في بناء الوعي وصناعة المستقبل، لأن الحضارة التي تُقصي أحد جناحيها محكومةٌ بالبقاء في مدار السقوط مهما ادعت القدرة على التحليق.
وفي الضفة الأخرى من المشهد، حيث تتشابك السلطة مع الخوف، أدركت منظومات الاستبداد عبر العصور أن أخطر ما يمكن أن تملكه الشعوب ليس السلاح، بل الوعي.
فالسلاح قد يُنتزع، أما العقل المستيقظ فلا يمكن مصادرته.
لذلك لم يكن القهر يومًا مجرد سجونٍ وأسوار، بل كان في جوهره مشروعًا طويل الأمد لإعادة تشكيل الإدراك، وصناعة الخوف، وتطويع الخيال، وتحويل الإنسان من كائنٍ يسأل إلى كائنٍ يكرر.
وحين تعجز أدوات القمع الظاهرة عن إخضاع الأرواح، يُستدعى الدين المسخر للسلطه ليؤدي دوره في هندسة الطاعة.
لا بوصفه رسالةً روحية تُحرر الإنسان من عبودية البشر، بل بوصفه خطابًا يمنح السلطة هالةً من العصمة، ويكسو المصالح البشرية بلباس المقدس.
وهنا تقع المأساة الأكبر؛ إذ لا يُقمع الجسد فحسب، بل يُحاصر العقل، وتُراقَب الأسئلة، ويُصادَر حق الإنسان في التأمل والمراجعة والاختلاف.
لهذا كله يبدو الإصلاح الشكلي ضربًا من الدوران حول الجراح دون ملامستها، وتغدو محاولات الترميم السطحي شبيهةً بمن يطلي جدران السجن ويظن أنه شيّد نافذة. فالمشكلة ليست في الوجوه المتبدلة، بل في البنية التي تعيد إنتاج الوجوه ذاتها،
وليست في الفروع اليابسة وحدها، بل في الجذور التي توقفت عن امتصاص ماء الحياة منذ زمنٍ بعيد.
إن الحاجة اليوم ليست إلى ثورةٍ على الإنسان، بل إلى ثورةٍ في الإنسان؛ ثورةٍ تعيد الاعتبار للعقل بوصفه أعظم أدوات التحرر، وللسؤال بوصفه بداية المعرفة، وللنقد بوصفه شرطًا من شروط النهضة.
ثورةٌ تنبش التاريخ لا لتثأر منه، بل لتقرأه بوعيٍ يقظ، وتفكك الروايات التي أحاطت نفسها بالقداسة لتحتمي من المساءلة، وتُسقط الهالات المصطنعة التي رُفعت فوق الرؤوس حتى حجبت السماء نفسها.
فالحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد، وأرحب من أن تُختزل في جماعة، وأنقى من أن تتحول إلى ملكيةٍ خاصة لسلطةٍ أرضية أو دينية.
وما من إنسانٍ يملك مفاتيح النور كلها، وما من مؤسسةٍ أو نظامٍ أو خطابٍ يستطيع الادعاء بأنه الممر الوحيد إلى النجاة.
إن اليقين الذي يخاف السؤال ليس يقينًا، والسلطة التي ترتعب من النقد ليست واثقةً من شرعيتها، والقداسة التي تحتاج إلى القمع كي تبقى ليست قداسةً بل امتيازًا متنكرًا في ثوبٍ سماوي.
وحين يتحرر القلب من الخوف، والعقل من الوصاية، والمرأة من التهميش، والتعليم من التلقين، تبدأ الأمة باستعادة بوصلتها المفقودة.
عندها فقط يتحول المستقبل من حلمٍ مؤجل إلى مشروعٍ قابل للتحقق، ويخرج الإنسان من كهف التبعية إلى فضاء الوعي.
أما ما دون ذلك فليس سوى دورانٍ أبدي في طاحونة العدم؛ تطحن الأجيال وتعيد إنتاج الغبار ذاته، وتبدّل الوجوه دون أن تبدّل المصائر، حتى ينهض ذات يوم ذلك الوعي القادر على إدراك الحقيقة الكبرى: أن النهضة ليست معجزةً تهبط من السماء، بل ولادةٌ عسيرة للعقل حين يخلع أكفانه القديمة، ويخرج من قبر الخوف، سائرًا نحو شمس السؤال التي لا تغيب.
تعليقات
إرسال تعليق