بعوضة… وحقيقة أكبر منّا





 

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بقلم: نور خالد أبو عمر 


بعوضةٌ ضئيلةٌ تحلّق فوق التراب، تبحث عن قطرة دمٍ لتقتات بها. 


فجأةً يهتزّ الوجود تحتها، ويعلو فوقها ظلٌّ هائل، ويزحف أمامها جدارٌ أسود عابر.


بالنسبة إليها، ليس لها أن تدرك أنّه حذاء، ولا أن تتخيّل أنّه إنسان، بل هو ظاهرةٌ كونيةٌ غامضة، لا تملك لغةً لتفسيرها، ولا أداةً لفهمها. 


قد تمضي عمرها كلّها دون أن تدري أنّ وراء ذلك الجبل العابر كائنًا يكتب الشعر، ويبني المدن، ويحبّ ويحلم، ويبكي ويزرع، ويرسل مركباتٍ إلى المريخ. 


ليست الحقيقة مختبئة عنها، بل إنّ أدوات إدراكها لا تسمح لها ببلوغها. 


وهنا يتسلّل السؤال: ألسنا نحن البعوضة نفسها؟


قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. 


فإذا كان المثل الإلهي يضرب بأصغر الكائنات، فما نحن أمام اتّساع الوجود إلا ذلك الكائن المحدود الإدراك. 


نرفع أبصارنا إلى السماء، فنرى مجرّاتٍ وسُدمًا وثقوبًا سوداء، ونلتقط إشعاعاتٍ قطعت مليارات السنين الضوئية لتصل إلينا. 


لكن… ماذا لو كان هذا كلّه، بالنسبة إلى مستوى آخر من الوجود، مجرّد ظلٍّ عابر، كما ترى البعوضة أثر الخطوة؟


قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. 


فالعجز عن الإحاطة ليس نقصًا في العقل، بل طبيعة الإنسان المحدودة أمام اتساع الوجود. 


وقال : «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب». 


فالتفكّر في الكون سبيلٌ إلى الحكمة، لكن ادّعاء الإحاطة بالحقيقة كلّها وهمٌ يجرّ إلى الغرور.


لكن وراء هذا المشهد الفيزيائي، يلوح سؤال ما وراء الطبيعة: هل ما نراه من مجرّاتٍ وثقوبٍ سوداء هو الحقيقة النهائية، أم أنّها مجرّد ستارٍ يخفي وراءه عوالم أخرى؟ 


ربما هناك مستويات وجودية لا ندركها، كما لا تدرك البعوضة أنّ وراء ظلّ الحذاء إنسانًا يكتب الشعر. 


قال الإمام الشافعي: «كلّما ازددتُ علمًا، ازددتُ علمًا بجهلي»، وهذا هو جوهر التواضع المعرفي؛ أن ندرك أنّ الحقيقة أوسع منّا، وأنّنا مهما بلغنا نظلّ في بدايات الطريق. 


وربما لا وجود في هذا الكون لـ «الصغير» و«الكبير»، بل لمستوياتٍ متباينة من الإدراك؛ فما يبدو للبعوضة نهاية العالم، ليس عندنا سوى خطوةٍ عابرة، وما نراه نحن نهاية المعرفة، قد يكون عند مستوى آخر مجرّد بداية.


قال ابن سينا: «العقل كالعين، يضعف إذا زاد عليه النور»، فالعقل يضيء، لكنه لا يملك أن يحيط بكلّ شيء. 


أما الفلاسفة الذين بحثوا في ما وراء الطبيعة، فقد قالوا إنّ الوجود ليس مادّةً فقط، بل طاقةٌ ومعنى، وأنّ وراء الظواهر قوانين خفيّة لا تُدرك بالحواس وحدها. 


أرسطو سمّى هذا العلم «الميتافيزيقا»، أي ما بعد الطبيعة، حيث تُطرح الأسئلة عن الجوهر والعلّة الأولى والغاية النهائية. 


وابن عربي قال: «العالم كله خيال، والحقّ وحده هو الحقيقة»، مشيرًا إلى أنّ ما نراه ليس إلا صورةً من صور الوجود الأعظم. 


وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كلّ امرئ ما يُحسن»، وأحسن ما يحسنه العاقل أن يعترف بحدوده.


لهذا، فالتواضع ليس ضعفًا في المعرفة، بل أوّل علامات النضج العقلي. 


وربما كانت الحكمة الحقّة ليست أن تقول: «وجدت الحقيقة»، بل أن تقول: «ما زلت أبحث عنها». 


فمهما بلغت قناعاتنا، ومهما اختلفت تفسيراتنا، يبقى احتمال أن يكون الواقع أوسع من إدراكنا قائمًا!!


وربما… أمام اتّساع هذا الوجود، لسنا إلا تلك البعوضة التي تحدّق في الجبل، دون أن تدري أنّه مجرّد أثرٍ عابر من خطوات الوجود.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا