فقدنا أنفسنا ونحن ننجو فحسب
فقدنا أنفسنا ونحن ننجو فحسب
بقلم:نور خالد أبو عمر
تعلّمنا النجاة بدلاً من الحياة؛ كيف نُخفي جراحنا تحت أقنعةٍ من الصبر، وكيف نُقايض أحلامنا الصغيرة بسلامٍ هشٍّ لا يدوم.
لكن الحقيقة التي تكشّفت لنا أنّ أثقل الخسارات ليست في السنوات التي تساقطت من أعمارنا، بل في الأجزاء التي تساقطت من ذواتنا ونحن نحاول التأقلم مع ما لا يُشبهنا.
إنّ فقدان العمر يمكن احتماله، أمّا فقدان النفس فهو جرحٌ لا يلتئم، ونزيفٌ بطيء يسرق منّا القدرة على التذوّق، على الامتلاء، وعلى أن نكون نحن كما نحن.
البيئة المريضة تُحوّل الإنسان إلى ظلٍّ يمشي، يختزل الحياة في معادلة النجاة، فيفقد القدرة على التفتّح، وعلى أن يعيش بامتلاءٍ وصدق.
وهنا تكمن المأساة: أن نُصبح أشبه بظلالٍ بلا جذورٍ ولا آفاق، نُعيد إنتاج الألم جيلاً بعد جيل، ونُورّث أبناءنا ثقافة البقاء بدلاً من ثقافة الحياة.
ومع ذلك، تبقى في داخلنا بذرة مقاومة؛ بذرة تقول إنّ الإنسان ليس محكومًا بالانكسار، بل قادرٌ على إعادة بناء ذاته من رمادها.
الاعتراف بالخسارة هو بداية التحرّر، والوعي بأنّنا فقدنا أنفسنا هو الخطوة الأولى لاستعادتها؛ فالحياة ليست مجرّد صراعٍ للبقاء، بل هي فنٌّ للامتلاء، وللتماهي مع ما يُشبهنا، وللبحث عن بيئةٍ تُنبتنا لا تُهدرنا.
ليس هذا النص رثاءً للسنوات الضائعة، بل دعوةً لإعادة تعريف معنى العيش؛ أن نرفض أن نكون أسرى لبيئةٍ مريضة، وأن نُعيد صياغة علاقتنا بذواتنا؛ فنُحبّها، ونُصغي إليها، ونُحرّرها من قيود التبرير والتأقلم القسري.
فالحياة الحقيقية تبدأ حين نُدرك أنّ أثمن ما نملك ليس الزمن وحده، بل النفس التي تُضيء هذا الزمن.
وإذا كان الماضي قد سرق منّا أجزاءً، فإنّ المستقبل يظل مفتوحًا على إمكانية أن نستعيد ما تبقّى، ونزرع في أرواحنا حقلاً جديدًا من المعنى."
تعليقات
إرسال تعليق