**واحدةٌ وأربعون عاماً... وامرأةٌ لم تنكسر**

 




**واحدةٌ وأربعون عاماً... وامرأةٌ لم تنكسر**


بقلم: نور خالد أبو عمر


اليوم أُتمُّ عامي الحاديَ والأربعين، ولا أقفُ أمامَ هذا الرقمِ بحياءٍ أو خشيةٍ من الزمن، بل أقفُ أمامَه منتصبةَ القامةِ، مرفوعةَ الرأس، كمن أنهت معركةً طويلةً وخرجت منها لا مهزومةً، بل أشدَّ صلابةً مما كانت في أولِ يومٍ من هذه الرحلة.


لم تكن هذه الأعوامُ الواحدةُ والأربعون نزهةً هادئةً على شاطئٍ آمن؛ كانت ميادينَ حقيقيةً خُضتُ فيها معاركَ لا يعرفُ حجمَها إلا مَن عاشها. واجهتُ مواقفَ تنوءُ بحملِها الجبال، وتحدّياتٍ لو وُضعت على أكتافِ كثيرٍ من الرجالِ لانحنَت ظهورُهم قبل أن يبلغوا منتصفَ الطريق. لكنّي لم أنحنِ، ولم أطلبِ الاستسلامَ رخصةً لنفسي؛ حملتُ ما حُمّلتُه، وسِرتُ حين كان السيرُ نفسُه معجزةً، وابتسمتُ حين كانت الابتسامةُ أصعبَ من الدمع.


وأصعبُ المعاركِ التي خضتُها لم تكن يوماً تلك التي واجهتني من الخارج؛ فالعدوُّ الخارجيُّ - مهما اشتدَّ - يبقى واضحَ الملامح، تعرفينَ شكلَه واتجاهَ ضربتِه. أما المعركةُ الحقيقيةُ الكبرى، فكانت معي أنا: مع صوتي الداخليِّ حين كان يهمسُ بالاستسلام، مع خوفي حين كان يُحاولُ إقناعي بالتراجعِ خطوةً للوراء، مع الصورةِ القديمةِ التي ظننتُ يوماً أنني محكومةٌ بالبقاءِ ضمنَ حدودِها. تحدّيتُ نفسي أكثرَ مما تحدّاني أيُّ أحد، وانتصرتُ على أوهامي أكثرَ مما انتصرتُ على أعدائي المفترَضين.


واليوم، حين أنظرُ خلفي إلى كلِّ تلك السنين، لا أرى امرأةً هشّةً حملتها الظروفُ كريشةٍ في مهبِّ الريح؛ أرى امرأةً بنت طريقَها بيديها حجراً حجرا، امرأةً تعلّمت أن القوةَ الحقيقيةَ ليست في ألّا تنكسري أبداً، بل في أن تنهضي في كلِّ مرةٍ انكسرتِ فيها، بكرامةٍ أكبرَ من كسرِك، وبإصرارٍ لا يدركُ عمقَه إلا مَن ذاقَ مرارتَه.


فخورةٌ أنا اليوم، لا بما أملكُه من إنجازاتٍ ظاهرةٍ للعيان، بل بما أعرفُه عن نفسي في العمق: أنني قادرةٌ، أنني صامدةٌ، أنني امرأةٌ تعرفُ كيف تحوّلُ جراحَها إلى دروع، وتحدّياتِها إلى مراقٍ تصعدُ عليها لا حُفَرٍ تسقطُ فيها.


إلى الحاديَ والأربعين... أهلاً بكِ، فقد أتيتُ إليكِ محمّلةً بحكمةِ كلِّ معركةٍ خضتُها، وبفخرٍ لا يستطيعُ أحدٌ أن يسلبَني إياه. فما زلتُ هنا، واقفةً، قويةً، وأنا مَن أنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا