طوافٌ في أروقة الغيب

 



طوافٌ في أروقة الغيب 

بقلم: الاديبه نور خالد أبو عمر 


بين الليل والنهار، يقف الإنسان على حافةٍ خفية تُدعى النوم؛ حيث يخلع الجسد أثقاله، وتتحرر الروح من سجنها الضيق لتسبح في فضاءٍ لا يُقاس بالزمن ولا يُحدّ بالمكان. 


النوم ليس غياباً ولا انطفاءًا، بل نافذةٌ خفية في جدار الواقع، يفتحها الليل لتخرج الروح من أسر الجسد، وتسبح في فضاءاتٍ لا تُحدّ، كأنها تعود إلى أصلها الأول قبل أن تُلقى من جديد في أرض المادة.


تحت ستار الظلام، وفي عمق السكون، ينطفئ ضجيج النهار، وتغدو الأجساد ككواكب مثقلة بجاذبية الأرض، فتستسلم على هامش الصمت والانتظار. 


ومع إغلاق العينين، تتهاوى جدران الزمان كنجومٍ متساقطة، وتذوب حدود المكان كغيمٍ يتلاشى في فضاءٍ لا نهائي، وتتحرر النفس لتبحر في محيطٍ من النور والجمال، وتطوف بين عوالمٍ رُسمت بلا ألمٍ ولا هموم.


كل غفوةٍ هي عبورٌ آمن من ضيق الجسد إلى اتساع الحرية، وكل حلمٍ هو ومضةٌ من نورٍ تمحو حدود الشك واليقين. 


هناك، في عمق الهدوء، تتجاوز الروح حدود العالم المادي، وتنعم بالسرّ الخفي، وتستمع إلى همس الوجود والكون. 


نطوف في أعماق أنفسنا، نلتقي بأرواحنا القديمة، نقرأ معاني كُتبت قبل بداية هذا العالم، ونغسل الوعي بمياه النسيان والراحة، لنستعيد صفاء النفس الأولى وسرّها الأبدي.


في تلك الرحلة الليلية، يصبح الإنسان مرآةً للكون، يرى في أحلامه انعكاس ذاته الكبرى، ويستشعر أن كل ما حوله ليس إلا ظلًّا لحقيقةٍ أعمق. 


هناك، تتداخل الأزمنة، وتذوب الحدود، ويصبح الحلم لغةً يتحدث بها الوجود إلى القلب. 


في لحظةٍ من السكون، يسمع المرء نداءً خفيًّا من أعماق الغيب، كأنّ الكون يهمس له: "عد إلى نفسك، فكل ما تبحث عنه يسكن فيك."


ثم يظهر الطفل في الحلم، يركض بين المروج النورانية، يرى النوم أمانًا من خوفه، كأنّه حضنٌ كونيّ يقيه من صخب الأرض. 


ويظهر الشاب، حائرًا، يبحث في أودية الأحلام عن معنى، يسأل النجوم عن مصيره، ويقرأ في السدم كتابًا لم يُكتب بعد. 


ويظهر الشيخ، حكيمًا، يجلس على صخرةٍ من نور، يبتسم ويقول: "النوم هو البروفة الأولى للموت، واليقظة هي الولادة الثانية." 

هكذا تتعدد الأصوات في مسرح الغيب، لتجعل النوم رحلةً جماعية، كلٌّ يرى فيها انعكاس ذاته.


وحين يكتمل الطواف في أروقة الغيب، يبدأ الضوء في نسج خيوطه الأولى. 


ومع أول خيوط الصباح، حين تتراجع العتمة ويولد الضوء من رحم الليل، تسحبنا الأرض من جديد إلى عالم الحركة. 


نفتح الأجفان رويداً رويداً، ونعود إلى المادة وقد اغتسلت أرواحنا بالنور، نفضنا عنّا غبار الأيام، لنبدأ رقصة الحياة من جديد، كأننا نُخلق في كل صباحٍ خلقاً آخر.


تنتهي رحلة الليل، لكن أثرها يبقى فينا كوشمٍ من سكونٍ مقدّس. 


إن كل استيقاظةٍ مع شروق الشمس ليست مجرد بداية يومٍ جديد، بل هي ولادةٌ طازجة لروحٍ اغتسلت بالهدوء، ونهلت من نبع الراحة والنور.


 نعود إلى أجسادنا الأرضية ونحمل أعباء اليوم، لكننا نعود بأرواحٍ أكثر صفاءً، وأعينٍ عرفت أن هذا الجسد ليس إلا مسكناً مؤقتاً. 


فالنوم لم يكن يوماً غفوةً عابرة، بل هو تذكيرٌ يوميّ بأننا أكبر من كل هذا الضجيج، وأننا مهما تعبنا في أرضنا، سنحنّ دوماً إلى رحلتنا الكونية الهادئة في كل ليلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا