شظايا الألم… ذاكرة لا تنطفئ

شظايا الألم… ذاكرة لا تنطفئ
بقلم: نور خالد أبو عمر
كان المكان أشبهَ بزنزانةٍ تُحاصر الروح، وتُرغمها على استدعاء كلِّ ما حاولتُ نسيانه.
ذاتَ يومٍ جلستُ في تلك الغرفة، كأنها زنزانةٌ عاليةُ الأسوار، ونظرتُ إلى حياتي بدهشةٍ ووجع.
فجأةً، كلُّ الأحداث التي مررتُ بها تدور أمامي من جديد، كأنها شريطٌ سينمائيٌّ يسرد الوقائع بطريقةٍ متضاربة، غيرَ مشوشة، لكنها مؤلمةٌ حدَّ الانكسار.
كدتُ أن أقول إن الظالم لا ينال عقوبتَه، وإذ بصوتٍ ناعمٍ خافتٍ يهزُّ كياني: «العدلُ والحقُّ لا يموتان مهما ماتت الأجساد، فحُكمُ محكمةِ السماء لا يتأخر كثيرًا، وحُكمُ الدنيا قاسٍ على من ظلموا».
الأيام تمرُّ بطيئةً، كسلحفاةٍ تزحف فوق رمالٍ ساخنة، تكاد تُفقدني الأمل، لكني أسير داخلها، أتعوّد على ثِقلها، وأرتشف قهوتي فنجانًا يلي الآخر.
فنحن شظايا من الألم والكسور، لحكاياتٍ ممنوعةٍ من العرض والبوح؛ تفاصيلُها لا يجوز أن تُسرد للعَلن، فالحزنُ الحقيقي أن تروي تفاصيلَك لذاتك فقط، وتبقى حبيسةَ الروح لأن الفضاءَ من حَولنا لا يتسع لها، فهي أعمقُ من أن تُحكى.
وما أقسى لغةَ الصمت، فهي كجريحٍ غادرَ الشعورُ روحَه.
رفقًا أيها الدهرُ، لقد أثقلتَ كاهلي، فما عاد لهذه الروح طاقةٌ لِتحمّل الأوجاع.
نحن شيخوخةُ ذكرياتٍ بائتةٍ عَفِنة، في بِركٍ من الوحل أرهقت أرواحَنا، وما أحوجَنا لبريقِ صوتٍ يُضمد الجراحَ ويحتضن أنينَ صدورِنا المتعبة.
لا تكن مواجهتُنا انتقامًا من ذواتنا، بل محاولةً لتجاوز الرياحِ العاتية، ومواجهةَ الصعاب لاستعادةِ لياقتِنا النفسية.
فنحنُ داخل ركامٍ فوضويٍّ من الحقائق والظروف، وبعضُهم يجعلنا كخريفٍ تتساقط أوراقُه ورقةً تلو الأخرى، بعدما كنا وردًا يشرق الصباحُ لأجله.
فنحنُ الآن نشبه الحممَ المتقيئةَ من البركان، نسير في مجرىً سحيقٍ من الألم الذي لا نهاية له، فيجعل النهارَ ليلًا لنعيش في كسوفٍ دائم.
فنحنُ الذين علّمتنا الجراحُ أن نبتسم رغمَ الانكسار، وأن نُخفي خلف وجوهِنا ألفَ حكايةٍ ممنوعةٍ من البوح.
وها أنا هنا، بعدما عدتُ من طريقي، وعشتُ قصصًا سردتُها بقوة، بما تحويه من رواياتٍ لا يعرفها إلا العجائزُ خبرةً وتجربة.
فدخلت أمي لتقدّم لي القهوة، وكأنها المرّةُ الأولى التي تفعل ذلك بنفسها، محاولةً إخراجي من تلك البوتقةِ النحيلة.
رفقًا أيها الدهرُ، لقد أثقلتَ كاهلي، فما عاد لهذه الروح طاقةٌ لِتحمّل الأوجاع.
نحن شيخوخةُ ذكرياتٍ بائتةٍ عَفِنة، في بِركٍ من الوحل أرهقت أرواحَنا، وما أحوجَنا لبريقِ صوتٍ يُضمد الجراحَ ويحتضن أنينَ صدورِنا المتعبة.
لا تكن مواجهتُنا انتقامًا من ذواتنا، بل محاولةً لتجاوز الرياحِ العاتية، ومواجهةَ الصعاب لاستعادةِ لياقتِنا النفسية.
فنحنُ داخل ركامٍ فوضويٍّ من الحقائق والظروف، وبعضُهم يجعلنا كخريفٍ تتساقط أوراقُه ورقةً تلو الأخرى، بعدما كنا وردًا يشرق الصباحُ لأجله.
فنحنُ الآن نشبه الحممَ المتقيئةَ من البركان، نسير في مجرىً سحيقٍ من الألم الذي لا نهاية له، فيجعل النهارَ ليلًا لنعيش في كسوفٍ دائم.
فنحنُ الذين علّمتنا الجراحُ أن نبتسم رغمَ الانكسار، وأن نُخفي خلف وجوهِنا ألفَ حكايةٍ ممنوعةٍ من البوح.
وها أنا هنا، بعدما عدتُ من طريقي، وعشتُ قصصًا سردتُها بقوة، بما تحويه من رواياتٍ لا يعرفها إلا العجائزُ خبرةً وتجربة.
فدخلت أمي لتقدّم لي القهوة، وكأنها المرّةُ الأولى التي تفعل ذلك بنفسها، محاولةً إخراجي من تلك البوتقةِ النحيلة.
ضحكتُ وضحك الجميع، ثم عاودتُ التفحّص، فصرخت في وجهي وطلبت مني أن أتناسى.
تجاهلتُ نظراتَها بحنكة، وطلبتُ منها أن تغادر، فأنا بخير.
رسمت هي الرضا على وجهها ورحلت، تاركةً خلفها صدىً من حنانٍ يُخفّف وطأةَ اللحظة.
ولكن الحقيقة تبقى أشرسَ من كلِّ محاولات النسيان؛ فما نحن إلا كائناتٌ محكومةٌ بذاكرةٍ لا تنطفئ، ذاكرةٍ تُعيدنا دومًا إلى شظايا الألم، لتذكّرنا أن العدلَ الأرضيَّ هشّ، وأن الزمنَ لا يرمم الروحَ بل يتركها تنزف في صمتٍ أبدي.
إننا نعيش في محكمةٍ لا تُصدر أحكامَها إلا بعد أن تُنهكنا، فنكتشف أن النجاةَ ليست وعدًا، بل وهمًا يتوارثه كلُّ جيلٍ مثقلٍ بالوجع، كأننا محكومون بالهزيمة منذ الميلاد.
تعليقات
إرسال تعليق