وليمةُ الدم…

 


وليمةُ الدم… 

بقلم: نُورُ خَالِدٍ أَبُو عُمَرَ


البيوتُ ليست حجارةً صامتة، بل أوطانٌ للأرواح؛ إذا امتلأتْ بالحبِّ صارتْ أنشودةَ سلام، وإذا تسلّل إليها الجنونُ تحوّلتْ إلى مقابرَ تنزفُ من الداخل. 


العقلُ قنديلٌ يضيءُ دروبَ القلب، فإذا انطفأ، غرقَ الإنسانُ في ليلٍ بلا نجوم، وتحوّلَ البيتُ إلى مسرحٍ للأنين. 


الأخوّةُ وعدٌ من نور، إذا صانتهُ الرحمةُ ظلّ صامدًا، وإذا خانتهُ العتمةُ انهارَ كجسرٍ مهترئٍ فوق هاويةٍ سحيقة.


لكن هذه الحكايةَ لم تكن عن بيتٍ عاديّ، بل عن بيتٍ انقلبَ من حضنٍ آمنٍ إلى مسرحٍ للرعب، حيثُ الأخُ يلتهمُ أخاهُ، ويمزّقُ جسدهُ كما لو كانَ قربانًا لوهمٍ مريضٍ. 


أيُّ عقلٍ هذا الذي يخلعُ عن الإنسانِ إنسانيّتَهُ ليتركَهُ عاريًا أمامَ وحشيّتِه؟


في أطرافِ المدينةِ، بيتٌ قديمٌ ككوكبٍ صغيرٍ يدورُ في مدارٍ بعيدٍ عن ضجيجِ الأرض. 


هناك عاش زياد ورامي، كأنهما نجمين في سماءٍ واحدةٍ، يضيئانِ ظلمةَ العالمِ بضحكةٍ مشتركةٍ ودمعةٍ متقاسمةٍ. 


لكن البراءةَ لم تدم؛ إذ بدأ ظلٌّ خفيّ يتسللُ إلى عقلِ رامي، ينسجُ حولهُ غشاوةً من الأوهامِ والهلوساتِ، حتى غدا عقلهُ كوكبًا ينهارُ ببطءٍ في ليلٍ طويلٍ.


في ليلةٍ غابَ فيها القمرُ، تحوّلَ البيتُ إلى مذبحٍ كونيٍّ، حيثُ التقى الجنونُ بالواقعِ في صراعٍ أبديٍّ.


 لم يرَ رامي في وجهِ أخيهِ إلا وحشًا غامضًا، فانقضّ عليهِ كنيزكٍ يفتكُ بكوكبٍ، وسالَ الدمُ كأنهُ نهرٌ أحمرُ يشقُّ صحراءَ الروحِ.


 وعندما دخلت الشرطةُ، وجدوا البيتَ كأنهُ مسرحٌ سرياليٌّ: أواني طعامٍ ملطخةٍ بالدماءِ، جثةٌ على السجادِ، ورامي جالسٌ في الزاويةِ يهمهمُ بكلماتٍ غير مفهومةٍ.


المحكمةُ لم تكن قاعةً من خشبٍ وحجارةٍ، بل بدتْ كأنها محكمةُ الأرواح، يجلسُ فيها القضاةُ ككواكبٍ تدورُ حولَ شمسٍ من عدلٍ أبديٍّ. 


واجهتِ القاتلَ بتهمةِ القتلِ العمد، لكنّها أعفتهُ من المسؤوليّةِ الجنائيّةِ بداعي "الجنونِ القانونيّ"، بعدما أثبتتِ التقاريرُ الطبيّةُ إصابتَهُ بمرضٍ عقليٍّ حادٍّ وحالةِ ذُهانٍ عميقٍ وهلوسةٍ بصريّةٍ مستمرّةٍ. 


لم يكنْ شيطانًا، بل عقلًا مريضًا تاهَ في متاهةِ الوهمِ، فارتكبَ ما لا يُرتكبُ وهو يظنُّ أنّه يُنقذُ العالمَ من الخرابِ.


في زنزانةٍ باردةٍ، جلسَ القاتلُ يحدّقُ في جدرانٍ تنزفُ من ذاكرته، يرى وجهَ أخيهِ يطلُّ من كلِّ شقٍّ كابتسامةٍ مذبوحةٍ.


الدمُ الذي شربهُ صار لعنةً تسري في عروقه، يلسعهُ كجمرٍ أبديٍّ لا ينطفئ، ويذكّرهُ أن كلَّ طعنةٍ كانت خيانةً للرحمةِ قبل أن تكونَ جريمةً.


الندمُ لم يكن دمعةً، بل سيفًا يقطعُ روحهُ في كلِّ لحظةٍ، يصرخُ داخلهُ كوحشٍ لا يهدأ، يطاردهُ حتى في نومه.


البيتُ الذي كان حضنًا صار قبرًا، والمرآةُ التي كانت تعكسُ طفولتهُ صارت تُظهرُ لهُ وجهًا مشوّهًا يبتسمُ بسخريةٍ داميةٍ.


وانتهت بمشهدٍ مميتٍ: عقلٌ ضائعٌ في هاويةٍ، قلبٌ مثقوبٌ بالندم، وصرخةٌ أبديةٌ تقولُ إنّ الجنونَ حين يُهملُ، يلتهمُ الإنسانَ حتى آخر نفسٍ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا