غربة الروح في عصر الزيف المادي
غربة الروح في عصر الزيف المادي
بقلم: نور خالد أبو عمر
ما بين رَفَّةِ جَفْنٍ وتنهيدةِ زمن، تتسلل الأيام من بين أصابعنا كالرمل الهارب، لتنسخ منا صوراً لا نشبه فيها أنفسنا، ونستفيق على دنيا تبدلت خريطتها وتشوهت ملامحها.
نعيش في وجودٍ غريب، بات فيه الظاهر هو الأصل، والعمقُ جُرماً يُعاقَب عليه العقل؛ كأن أرواحنا هاجرت مواطنها الأولى لتسكن في هياكل طينية تُقاس أوزانها ببريق المعدن لا بنقاء الجوهر.
إنها الغربةُ التي لا تُقطع فيها المسافات بالخطى، بل بالتحولات؛ غريباً تجد نفسك وسط مجتمعٍ استبدل بسكون النفس صخبَ العرض، وبدفء المودة جفافَ الشكليات.
لقد أغمضنا أعيننا على زمنٍ كانت البساطة فيه هويتنا والشغف زادنا، لنستفيق على عصرٍ تُقاد فيه الأرواح بسلاسل الزينة الخادعة، وتُقاس فيه قيمة الإنسان بالعين لا بالقلب، وبما يرتديه فوق جلده لا بما ينبض به صدره.
حتى ذلك الرباطُ السامي، الذي أُريدَ له أن يكون سكناً للقلب ومرفأً للروح، سُلبت منه قدسيته وهيبته، وأُلقي به في دروب المساومات الحزينة.
تحول الميثاق الغليظ إلى معادلةٍ صماء، تُركم فيها المادياتُ كأحجارٍ ثقيلة تُسحق تحتها أحلام الشباب العصامي الشريف.
صار الوصول إلى العفاف أشبه بعبور مضيقٍ ملغوم بالتكاليف وشروط الاستعراض، بينما تتراجع القناعة لتتوارى خجلاً أمام طوفان المغالاة والتفاخر الخاوي.
ومع كل شمسٍ تشرقُ على هذا الزيف الممتد، تشتد غربة المفاهيم الأصيلة.
نسيت القلوب أن الديار لا تُبنى بضخامة الأثاث ولا ببريق الزينة، بل بسكينة الروح وتراحم الأيادي.
ووسط هذا الشغف الأعمى بالامتلاك، تاه الوعي وتوارى نقاء الفكرة، ليبقى الشابُ العفيف واقفاً على أعتاب أمنياته، يحمل قلباً ناصعاً لكنه لا يملك مفاتيح المزاد.
فهل نملك شجاعة الاستفاقة قبل أن تلتقم الأوهامُ ما تبقى من أنفاسنا؟
وهل للروح من عودة إلى أرضها الأولى؛ حيث الكفاف يطعم الروح، والقناعة تمنح الأمان، والبيوتُ تُشيَّد بالرحمة لا بالتفاخر؟ إن الخلاص يبدأ حين نخلع عنا هذه الأقنعة الثقيلة، ونبصر الجوهر المنسي وسط ركام الزخارف، لنعيد للأنفس طهارتها، وللبيوت سكناً عطلته أدخنة الشكل والمظهر.
تعليقات
إرسال تعليق