نور خالد أبو عمر كتبت
في عينِ الناظرِ بحرٌ آخرُ
هذا هو سرُّ البحرِ الأعمق: أنه لا يفرضُ على ناظريه معنًى واحدًا، بل يعكسُ لكلٍّ منهم تاريخَه الخاصَّ.
فالملّاحُ الذي ابتلعت عاصفةٌ سفينتَه يومًا سيرى الموجَ تهديدًا كامنًا، وستتوتّرُ يدُه على الدفّةِ حتى في أهدأِ الأيام؛ أمّا الملّاحُ الذي وُلدَ على شواطئِ الأمانِ وعاشَ أسفارًا هانئةً، فسيرى الموجاتِ عينَها دعوةً إلى الرقصِ والانطلاق.
البحرُ لم يتغيّرْ، لكنَّ عينَ الناظرِ تحملُ بحرًا آخرَ في أعماقِها، تُسقطُه على الماءِ الحقيقيِّ أمامَها.
ما أشبهَ هذا بمواقفِ حياتِنا! يمرُّ اثنانِ بالتجربةِ ذاتِها: فقدِ وظيفةٍ، أو انتهاءِ علاقةٍ، أو تغييرٍ مفاجئٍ، فيراها أحدُهما كارثةً تُطفئُ الأملَ،ويراها الآخرُ بدايةً جديدةً مليئةً بالفرص؛ وليس ذلك لأنَّ أحدَهما أعمى عن الحقيقة، بل لأنَّ كلًّا منهما ينظرُ إلى الحدثِ نفسِه عبرَ عدسةِ سيرتِه، بجراحِه القديمةِ أو شجاعتِه المكتسبة.
فالحدثُ الخارجيُّ محايدٌ في جوهرِه، لكنَّ المعنى الذي نُلبسُه إيّاه يُنسَجُ كلُّه من داخلِنا.
الحكمةُ هنا ليست أن نُنكرَ تعدّدَ الرؤى، بل أن ندركَ أنَّ تباينَ الناسِ في تفسيرِ الموقفِ لا يعني صدقَ أحدِهم وكذبَ الآخرِ؛ بل يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يُبحرُ في المياهِ نفسِها بقاربٍ مختلفٍ، محمَّلٍ بأمتعةٍ نفسيةٍ لا يراها سواهم.
فإذا تعارضتِ الرؤى فلا تسأل: «من يرى الحقيقة؟»، بل اسأل: «أيَّ رحلةٍ سابقةٍ تحملُها هذه العينُ التي تنظرُ الآن؟».
فالبحرُ واحدٌ دائمًا، ممتدٌّ بلا انحيازٍ؛ لكنَّ كلَّ من يقفُ على شاطئِه يحملُ في صدرِه بحرًا آخرَ هو الذي يُشكّلُ حقًّا ما يراه.
https://www.facebook.com/share/1C6bEkny4J/?mibextid=wwXIfr
أنا كاتبةٌ أُذيبُ روحي في الحروف، وأحوّل الكلمات إلى مجرّةٍ صغيرةٍ حالمةٍ تُشرقُ بالألحان.#
تعليقات
إرسال تعليق