حين تصير الأجساد أسواقًا... والعُري لغة العصر الصامتة
حين تصير الأجساد أسواقًا... والعُري لغة العصر الصامتة
نُورُ خَالِد أَبُو عُمَر تَكْتُبُ
ثمة عصرٌ يكتب تاريخه بلغة الأجساد لا بلغة العقول، عصرٌ نصّب الجسد إلهًا يُعبَد على مذابح الشاشات، وأخرس الروح التي كانت يومًا لغة الإنسان الأولى. حوّل المرأة من أصلٍ تُكتب به معاني الوجود إلى منصةٍ تُقاس عليها حرارة المزايدة، فصار الإنسان تاجرًا في سوق ذاته، يعرض ما يُشترى ويُخفي ما لا يُباع، كأنّ الوجود كله لم يعد إلا فاتورةً تُقييم بعدد الأعين لا بعمق القلوب. لم يعد الجسد معبدًا تسكنه الروح، بل واجهةً زجاجية تعرض البضاعة، تُقاس قيمتها بعدد العابرين لا بما تحمله من معنى؛ وكأنّ الحضارة، وهي تفتح نوافذها، نسيت أن النور لا يأتي به الزجاج، بل الشعلة النابضة خلفه، فتضيء الجدران وتطفأ القناديل.
العُري في جوهره لم يكن يومًا خطيئة، فالجسد بريءٌ كبراءة الماء والريح، لا يحمل في أصله عارًا ولا فخرًا؛ إنما الخطيئة وليدة القصد لا وليدة الشكل. الخطيئة أن يصير الجسد لافتةً معلّقة على أبواب الشهرة، وجسرًا يُعبَر نحو المال، وبطاقة دخولٍ إلى علاقاتٍ من الصدق براء.
وحين يغدو السفور استراتيجية، تموت البراءة على عتبات الحساب، ويتنكر الاستغلال في زي الحرية، ينساب بيننا بوجهٍ ناعمٍ وقلبٍ من حجر، ويهتف باسم التحرر بينما يصفّد الروح بأغلالٍ من ضوء.
نحن أمام مفارقة وجودية موجعة، تقف كالسؤال الأزلي على عتبة كل عصر: كلما زاد الإنسان كشف جسده، ازداد احتجابًا عن ذاته.
فمن يُعرّي جسده بحثًا عن الأضواء، إنما يُخفي في العتمة أسئلته الحقيقيه: من أنا؟ وما قيمتي إن جُرّدتُ من هذا الجسد؟ وهل أنا إلا صدًى يتحري صوتٍ أصليٍّ تبدد في الزحام؟ أما الشاشات بخوارزمياتها الجائعة التي لا تنام ولا تشبع، بل تلتهم كل ما يلمع، وتكافئ الصادم بمزيدٍ من الضوء، فلا تسأل عن الروح.
حيث يدور الإنسان في حلقةٍ لا يصنع فيها المعنى، بل يستهلكه ويُستهلَك به، كنجمٍ اصطناعيٍّ باردٍ يلمع في سماءٍ لا قمر فيها ولا نجوم حقيقية تهدي التائهين.
المرأة، هنا ليست هامشًا في أهدال الحكاية الإنسانية، ولا ظلًّا عابرًا لمع في عين احدهم ثم يتلاشى في غبار النسيان؛ بل إنها الأصل الذي تفرّع منه كل شيء: رحمٌ حمل الوجود قبل أن يعرف الوجودُ اسمها، ونبعٌ استقت منه الحضارات أول ما استقت، فحين تُختزل في صورةٍ تُعرض لا نُهين جسدًا عابرًا، بل يتصدّع شيءٌ أعمق في الوعي البشري، ذلك الخيط الخفي الذي يربط القيمة بالروح لا بالجسد والحضور بالجوهر لا بالمظهر،والمفارقة هنا أن الأصل يُقدَّم قربانًا على مذابح ازدواجيةٍ غريبة:
يُحتفى به حين يُعرض لعين السوق.
يُدان حين تعرضه صاحبته بإرادتها!
وكأنّ المجتمع محكمةٌ تصدر حكمين متناقضين على ذات القضية ، يشتهي ما يحرّمه ويحرّم ما يشتهيه في تناقضٍ يكشف مرضًا أعمق من صورةٍ على شاشة، مرضً يُصرّ أن يرى في الأصل تابعًا، وفي الأساس زينة، وفي الجذر غصنًا يُقصف.
ما أشبه اليوم بالأمس، وما أبعد الأمس عن أن يكون قد مضى! ففي أسواق النخاسة القديمة، كانت الجواري تُعرَض على منصات البيع، يُكشَف عن مفاتنهنّ أمام المشترين، وتُقلَّب أجسادهنّ كأنها سلعةٌ تُفحَص قبل أن تُقتنى، فتُباع الأرواح ظنًّا منهم أن الثمن للأجساد وحدها. واليوم، تكرّر الحضارة الحديثة المشهد ذاته بأدواتٍ أكثر لمعانًا وأشدّ خداعًا، فبدّلت السلاسل بالإعلانات، والمنادي بالخوارزمية، والسوق بالشاشة: فما من منتجٍ يُباع إلا وجسد امرأةٍ يُعلَّق على واجهته، وما من إعلانٍ يُروَّج له إلا وعُريٌ يتوسّطه، حتى صار جسد المرأة سلعةً تُرفَق مع كل سلعة، وزينةً تُعلَّق على أبواب المحلات كما تُعلَّق اللافتات. لم يتغيّر السوق، بل تغيّرت واجهته فقط، وتغيّر اسم الجارية إلى "عارضة"، واسم النخّاس إلى "مسوّق"؛ فبالأمس كانت المرأة نفسها هي البضاعة المعروضة، واليوم صار جسدها وسيلةً لترويج بضاعةٍ أخرى، وفي الحالتين يبقى الإنسان غائبًا خلف الجسد، وتبقى الكرامة هي الثمن الذي يُدفَع في صمت، دون أن يسمع أحدٌ صوت سقوطها، ودون أن يقيم أحدٌ لها مأتمًا.
لكن السؤال الأعمق ليس: هل هذا حرية أم استغلال؟ بل: أين ذهبت قيمة الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، حين صار يُقاس بمساحة المكشوف من جسده لا بعمق المستور من روحه؟ وماذا يبقى من الحضارة حين تتراكم فيها الصور كنجومٍ اصطناعية باردة، بينما تنطفئ في الداخل شموس الحكمة والرحمة والإبداع؟ إن أخطر أنواع الفقر ليس فراغ الجيوب، بل فراغ المعنى، حين يملك الإنسان كل شيء إلا نفسه، ويعرف أسماء الأشياء كلّها إلا اسمه الحقيقي. فالحرية الحقيقية لا تُعرَّى، بل تُدرَك؛ ليست انكشافًا للسطح، بل اكتشافًا للعمق، ولا تُعرض، بل تُعاش في الداخل قبل أن تظهر على السطح. إنها اللحظة التي يتحرر فيها الإنسان من أن يكون موضوعًا لنظرات الآخرين، ليصبح حقيقةً مستقلة تنبع من ذاتها، كما ينبع الضوء من قلب النجم لا من انعكاساته على المرايا؛ فالقيمة لا تولد من أعين المتفرجين، بل من ذلك الجوهر الصامت الذي يحتفظ بوزنه حتى حين لا يراه أحد.
وفي النهاية، يبقى الجسد كالنهر: لا تزداد قيمته كلما انحسرت عنه الضفاف، بل كلما حمل ماءه إلى الحقول العطشى؛ جميلٌ حين يجري بصمتٍ فيروي، وقبيحٌ حين يُحوَّل إلى مجرى تُلقى فيه البضائع. وتبقى الكرامة كالضوء الكوني، لا تُقاس بمقدار ما تكشفه للعين، بل بمقدار ما تبعثه من دفءٍ في الأرواح.
فهل نعيد للمرأة، وللجسد كله، قداسته أصلًا لا سلعة، أم نتركه يغرق في سوقٍ لا يعرف غير منطق البيع والشراء؟ فإذا خسر الإنسان قيمته الداخلية، فلن يكون قد باع جسدًا أو صورةً فحسب، بل باع المرآة الأخيرة التي كان الوجود يرى فيها وجهه الحقيقي، وكسر البوصلة التي كانت تهديه إلى معنى إنسانيته، وسط ضجيج الأسواق وعتمة الأثمان، ووسط سوقٍ يشبه كل الأسواق إلا في شيءٍ واحد: أنه يبيع ما لا يُقدَّر بثمن، ويظن أنه ربح، وهو الخاسر الأكبر.
https://www.facebook.com/share/1C6bEkny4J/?mibextid=wwXIfr
أنا كاتبةٌ أُذيبُ روحي في الحروف، وأحوّل الكلمات إلى مجرّةٍ صغيرةٍ حالمةٍ تُشرقُ بالألحان.#
تعليقات
إرسال تعليق