النرجسي وصحراء الوهم بلا نهاية



النرجسي وصحراء الوهم بلا نهاية

 بقلم: نور خالد أبو عمر
"النرجسية ليست مجرد صفة، بل هي مرآة مشروخة تعكس ظلًّا بلا جوهر، وتُعيد إنتاج الوهم في دوائر لا تنتهي."
هي صحراء ممتدة بلا ماء، حيث يطارد الإنسان صورته الزائفة، ويغرق في عطشٍ لا يرتوي. إنها فراغ داخلي يلتهم الروح، ويحوّل البريق إلى سراب، والوجه إلى قناع، والحب إلى لعبة قاسية... في صمتٍ قاتل، كان هناك وجعٌ أعمق من كل الصرخات التي لم تُسمع. لم يكن صمتها ضعفًا، بل كان صمودًا في وجه ألمٍ لا يُحتمل، وندوبًا لا تُرى إلا في أعماق الروح. حُبست بين جدران ظلمة نرجسية، حيث كانت الكلمة تعني موتًا بطيئًا، وكانت المغادرة بطلاً صامتًا لا يُعلن عنه.


لكن الطرف الذي حاول التشويه هو ذاته الظالم، الذي صنع قصته كأنه البطل، ليظل في أعين الناس فارسًا لا يُمس، ويمارس لعبة الخداع ليحمي صورته على حساب الحقيقة. ومع ذلك، لم تستسلم، بل جمعت شتات نفسها من بين الركام، وأوقدت بداخلها شعلة الأمل. وفي لحظةٍ موعودة، قررت أن تُحرر نفسها، لتبدأ حياة جديدة تُكتب فيها فصول القوة والكرامة. لم تعد ضحية، بل كانت امرأة ولدت من جديد، تحمل في قلبها قوةً لا تُقهر، ونورًا لا ينطفئ...

فنحن في عالم يزدحم بالوجوه والأقنعة، لا يُقاس الإنسان بما يُظهره من بريقٍ زائف، بل بما يُخفيه من فراغ داخلي ينهش روحه. فبعض النفوس ليست سوى مرايا مشروخة، تُعيد إنتاج الوهم مرة بعد أخرى، وتترك خلفها ندوبًا لا تُشفى. ومن هنا، تتجلّى الحاجة إلى فهم تلك الأرواح المريضة التي تُدمّر من حولها، وتترك خلفها فوضى من الألم والارتباك، لتكشف لنا وجهًا آخر من وجوه الإنسان حين يفقد اتزانه الداخلي ويغرق في أنانيته المفرطة.

إن النرجسي لا يُنهي علاقاته بطريقة ناضجة، بل يختار أكثر الأساليب قسوة وتلاعبًا؛ فقد يُشعل فتيل الصراع، ويحوّل النقاشات إلى معارك ضارية، ويُحمّل الآخر وزر كل خطأ وفشل. وقد يختفي فجأة دون مقدمات، تاركًا خلفه شريكًا يتساءل بمرارة إن كانت العلاقة قد انتهت أم لا، بينما يكون هو قد انتقل بالفعل إلى ضحية جديدة. وفي أحيانٍ أخرى، يدفع الطرف الآخر دفعاً إلى اتخاذ قرار الانفصال، لكي يحتفظ لنفسه بدور الضحية أمام المجتمع، وكأن الطرف الآخر لم يكن يعني له شيئاً.

وهكذا، يتّضح أن النرجسي ليس مجرد شخص صعب المراس، بل هو انعكاس لاضطراب نفسي عميق، يعيش في فراغ داخلي لا يُملأ، ويُعيد إنتاج الوهم كمن يطارد ظلّه في صحراء بلا نهاية. النهاية بالنسبة له ليست حزنًا ولا ندمًا، بل هروب دائم من مواجهة ذاته المريضة. إنه يترك خلفه ضحايا، لكنه في الحقيقة هو الضحية الأولى لمرض يلتهم إنسانيته. وفي المقابل، تبقى هي شاهدة صلبة على أن الخلاص ليس في الهروب، بل في الولادة من جديد… ولادةٍ تحمل في طياتها قوةً لا تُقهر، وكرامةً لا تُشترى، ونوراً يبدّد عتمة الزيف.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا