ترانيم الاحتواء: دفء يرمم كسور الأرواح
ترانيم الاحتواء: دفء يرمم كسور الأرواح
بقلم: نور خالد أبو عمر
أيها السائرون في أودية الحياة، والمثقلون بأعباء الكدِّ والمعاناة؛ حين تنكسر أرواحكم تحت وطأة المحن العاتية، وتضيق بضمائركم رِحابُ الدروب السامية، اعلموا أن الشفاء ليس في جافي النصح وعنيفِ العتاب، ولا في ثقيلِ اللفظ ومُرِّ الخطاب، بل في دفءِ حضورٍ يلمّ الشتات، ولمسةِ كفٍّ تُقيلُ العثرات، تهمس في مسمع وجعكم: «أنا هنا لأحمل ثِقلكم لا لأُحصي ذنبكم».
إنّ الإنسان في عواصف هبوطه وبلاء سقوطه لا يطلب من يُملي عليه الفروض، أو يلومه على الوهنِ والنهوض، بل تتوق روحه إلى صدرٍ رحيبٍ يسع أنينها، وقلبٍ حبيبٍ يرى حنينها بلا زيف أقنعةٍ ولا شروط ادّعاء.
إنّ الاحتواء هو البلسم والملاذ، وبه ينهض الأمل الكسير من رماده فيبتسم في وجه العتمة، ويتجلّى في إنصاتٍ عميقٍ يفتح نوافذ الصمت، وفي رفقٍ يسكب الطمأنينة على جراحٍ أنهكها الصراع؛ فالجروح لا تبرأ بجدلِ العقول، ولا الندوب تُمحى ببرود القول والفضول، بل بقبولٍ يذيب صقيع المحنة، وحضورٍ يزرع في القلب سكينة المِنّة، ليمنحكم اليقين أنّكم لستم وحدكم في معترك الكفاح، ولا غرباء بين أنياب الجراح.
وهنا يرتخي ستار المعنى عن الاحتواء، كأبهى صور الرحمة والوفاء؛ إذ غدا حالةً وجوديةً تُلملم شتات الوجدان، وتوقظ في موانئ العمر مشاعر الأمان، وتجعل المرء لأخيه ظلًا ظليلًا يقيه لفح الانكشاف وقهر الاعتراف، ليصير قلبًا يعي ما غَيّبه السكوت، ويُنصت لما في الصدر يموت، مدركًا أنّ كل كسرٍ في الروح مئذنةٌ لتضرّع الرحمة، وبابٌ لتبديد العتمة.
فالاحتواء ليس وعظًا جامدًا ولا شريعة، بل هو فلسفة إنسانية بديعة؛ لحنٌ صامتٌ لا يُرى، ونورٌ سارٍ في عروق الثرى، يُحسّ في صمتٍ متفهّمٍ غيور، يعبر بالبشر جسرًا من الظلمات إلى النور.
فيه يتلاقى الباحث عن جلال الدّيان، والباحث عن جوهر الإنسان؛ كلاهما يرى في الاحتواء خلاصًا ونعيمًا، لا بالجدل والوعظ، بل بالرحمة التي تجعل الوجود رحيمًا.
لتغدو هذه الفلسفة قصيدةً شاعرة، ووعدًا ببرء الروح الكسيرة الحائرة، إذا ما احتضنها قلبٌ بالهوى يجود، ويحبّ بلا شروطٍ ولا حدود، فيرمّم شظايا النفس بعد الموت، ويعيد صياغة الوجود بجميل الصفات وعذب الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق