بائع الذكريات المنسيّة
بائع الذكريات المنسيّة
بقلم: نور خالد أبو عمرة
في مكانٍ لا ينتمي إلى الجهات الأربع، ولا تعثر عليه الخرائط، ولا تصل إليه القوافل، كان هناك متجرٌ صغير معلّق بين ومضةٍ لم تولد بعد وذكرى ماتت قبل أن تُروى.
لم يكن له بابٌ من خشب ولا نافذةٌ من زجاج؛ كانت جدرانه من أحلامٍ مهجورة، وسقفه من أسئلةٍ بلا جواب، وأرضه من أعمارٍ ضاعت عند أول مفترقٍ للقدر.
أما صاحبه فكان يُعرف باسمٍ واحد: بائع الذكريات المنسيّة.
لا أحد يعرف من أين جاء، ولا أحد يعرف إن كان قد جاء أصلًا، فبعض الكائنات لا تدخل التاريخ لأنها وُجدت قبل أن يتعلم الزمن كيف يعدّ أيامه.
كان يجلس خلف منضدةٍ منحوتة من صمتٍ قديم، وحوله آلاف القوارير الشفافة تتوهج داخلها أضواءٌ صغيرة كنجومٍ مسجونة، لكنها لم تكن ذكرياتٍ للماضي، بل ذكريات لأشياء لم تحدث أبدًا: حيوات محتملة، مصائر ضائعة، نسخ أخرى من البشر ماتت قبل أن تولد.
في إحدى القوارير رجلٌ أصبح ملكًا على سبع ممالك لكنه في الحقيقة مات طفلًا في عامه الأول، وفي أخرى امرأةٌ عاشت حبًا خالدًا في عالمٍ موازٍ بينما قضت عمرها هنا وحيدة، وفي ثالثة شاعرٌ غيّر وجه التاريخ بقصيدة قبل أن تقرر المصادفة ألا يولد أصلًا.
تعليقات
إرسال تعليق