طفل الضوء والريح
طفل الضوء والريح
بقلم: نور خالد أبو عمر
وُلد الطفل من رحم الغيم، كأن السماء قرّرت أن تُهدي الأرض قصيدةً حيّة.
جسده بخارٌ أبيض يتشكّل كأحلامٍ عائمة، بلا وزنٍ ولا ظل، لكنه أثقل قلب أمّه بالدهشة، وجعلها ترى في كل قطرة ماءٍ معنىً جديدًا للوجود.
ضحكُهُ كان مطرًا يروي الحقول، بكاؤه ريحًا يفتح أبواب الغياب، وابتسامته ضوءًا يولد منه النهار، كأن الفجر يخرج من قلبه.
كانت الأم تدرك منذ اللحظة الأولى أن هذا الطفل ليس كبقية الأطفال؛ فهو لا ينتمي إلى الأرض وحدها، بل إلى السماء أيضًا.
احتضنته، فاخترقت ذراعاها الهواء، لكنها شعرت بالامتلاء؛
كان هذا هو الحب بلا مادة، حبٌّ يتجاوز الجسد ليحتضن الروح، حبٌّ يثبت أن الأمومة ليست امتلاكًا للجسد بل احتضانًا للمعنى.
ومع مرور الأيام، كان الطفل يتبدّل في صورته: مرةً قطنٌ يطفو في الأفق، مرةً زجاجٌ شفاف يعكس الضوء، ومرةً برقٌ يضحك في العاصفة.
ومع كل تبدّل، كانت الأم تدرك أن الأمومة نافذة لفهم الزمن، وأنها وعي كوني يعلّمها أن الحاضر لا يُمسك إلا حين يفلت، وأن الزمن ليس خطًا مستقيمًا بل دورة أبدية بين البداية والنهاية.
لقد صار تعبها جسرًا وجوديًا يعبر عليه الطفل نحو الأمان، حتى لو كان من الغيم؛ إنها تضحية تُحوّل الألم إلى معنى، وتجعل من الأمومة طريقًا بين الأرض والسماء، بين الفناء والخلود.
كانت دموعها حجارةً في بناء هذا الجسر، وكانت تنهيداتها أعمدةً تُثبّت عبوره، حتى صار الحب نفسه معمارًا كونيًا يربط بين عالمين.
وذات ليلةٍ عاصفة.، صعد الطفل إلى أعالي الغيوم، ولوّح بيدٍ من بخارٍ يتلاشى، ثم ذاب في المطر.
وقفت الأم تحت السماء، تستقبل القطرات على وجهها كقبلاتٍ أبدية، وتدرك أن الأمومة هي خلود عبر الطبيعة، دورة لا تنتهي بين الفقد والعودة، بين الغياب والحضور.
كل قطرة ماءٍ كانت عودةً له، كل نسمة ريحٍ كانت همسةً منه، وكل شعاع ضوءٍ كان ابتسامةً يرسلها من بعيد.
وهكذا، تصبح الأمومة أصلًا كونيًا، لا ينحصر في الولادة الجسدية، بل يمتد ليصبح علاقة بين الإنسان والكون، بين الحب والزمن، بين الفناء والخلود؛ فهي اللغة التي يكتب بها الكون قصيدته الكبرى، وهي الجسر الذي يربط بين الأرض والسماء، وهي المرآة التي تعكس معنى الوجود.
حيث كان الطفل يتعلّم أن الضحك موسيقى المطر،
وأن البكاء نداء الريح،
وأن الابتسامة مرآة الضوء، وكيف كانت الطبيعة تتجاوب مع أنفاسه.
كانت الأم ترى في كل حركة منه درسًا جديدًا، فحين يضحك كانت السنابل تنحني، وحين يبكي كانت الأبواب ترتجف، وحين يبتسم كان النهار يولد من جديد.
وفي كل ذلك كانت الأم تدرك أن الأمومة ليست مجرد رعاية، بل هي وعي كوني يفتح أبواب الزمن.
وفي ليالٍ طويلة، كانت الأم تخاطب نفسها: هل هو طفل أم رمز؟
هل هو جسد أم معنى؟
كانت تخاف أن تفقده، لكنها كانت تدرك أن الفقد جزء من دورة الوجود، وأن العودة حتمية في كل قطرة ماء، في كل نسمة ريح، في كل شعاع ضوء.
كانت الأمومة بالنسبة لها رحلة بين الخوف والرجاء، بين الغياب والحضور، بين الفناء والخلود.
لقد صار الطفل رمزًا للزمن نفسه، فحين يكون قطنًا كان يمثل الطفولة البريئة،
وحين يكون زجاجًا كان يمثل هشاشة الإدراك،
وحين يكون برقًا كان يمثل لحظة الوعي المفاجئة.
وهكذا، صار الطفل مرآةً للكون، وصارت الأمومة طريقًا لفهم جدلية الحضور والغياب.
وفي لحظة الفقد الكبرى، حين ذاب الطفل في المطر، شعرت الأم أن قلبها ينكسر، لكنها أدركت أن كل قطرة ماء هي عودة، وأن كل نسمة ريح هي همسة، وأن كل شعاع ضوء هو ابتسامة.
وهكذا، تحوّل الفقد إلى خلود، وتحولت الأمومة إلى دورة أبدية بين الغياب والحضور.
فالغيم الذي يتهامس مع الأفق،
المطر الذي يروي الحقول، الريح التي تهزّ الأبواب،
الضوء الذي يولد منه النهار.
كل هذه العناصر كانت جزءًا من الطفل، وكلها كانت جزءًا من الأمومة.
وهكذا، صار الكون كله قصيدةً واحدة، تكتبها الأمومة بحروف المطر والريح والضوء.
وفي النهاية، لم يكن الطفل مجرد ابنٍ من الغيم، بل كان رمزًا للخلود، وصوتًا للطبيعة، ونافذةً لفهم الزمن.
الأمومة تحوّلت إلى دورةٍ أبدية، حيث كل فقدٍ هو ولادة، وكل غيابٍ هو حضور، وكل قطرة ماءٍ هي قبلةٌ من ابنٍ عاد إلى أصله.
وهكذا، يغلق أبوابه على نغمةٍ موسيقية، ويترك نافذةً مفتوحةً على الأبد: أن الحب بلا مادة هو أصدق حضور، وأن الأمومة جسرٌ وجودي يعبر به الإنسان نحو المعنى، وأن الطفل، وإن ذاب في الغيم، يبقى حيًّا في كل قطرة، في كل نسمة، في كل شعاع نور.
تعليقات
إرسال تعليق