الرقص على حافة مخالب الزمن

 


الرقص على حافة مخالب الزمن  

بقلم: نور خالد أبو عمر


الزمن ليس ساعةً معلّقة على جدارٍ بارد، ولا عقربًا يتثاءب في فراغٍ ميّت؛ الزمن وحشٌ كونيّ يرقص على أنياب الغيب، ينهش اللحظة كما ينهش الذئب فريسته، ويتركنا نتلوّى بين مخالب الدهشة والرعب. 


إنّه ليس خطًا مستقيمًا ولا جدولًا مطمئنًا، بل هو زوبعة من احتمالات، عاصفة من أسئلة، كائنٌ يركض في الغابة الكونية بلا قيد، يطلق صهيله في وجه النجوم، ويضحك من عبث محاولاتنا لترويضه.


في مدينةٍ غامرةٍ بالظلال، حيث الساعات المعلّقة لا تدقّ، وحيث التقاويم تتساقط أوراقها كأوراق الخريف، كان الزمن يتجوّل بين الأزقة كذئبٍ منفرد، يترك آثار مخالبه على وجوه البشر، ويحوّل كل لحظة إلى فريسة نادرة.


 الرجل المسنّ الذي عاش عمره في البحث عن معنى، وجد نفسه أمام هذا الذئب، يقرأ في عينيه تاريخًا من الخيبات والانتصارات، وأدرك أن كل خطوةٍ خطاها كانت مجرد لعبةٍ في حلبةٍ لا مخرج منها.


 الفتاة اليافعة، التي حلمت بالخلود، رأت نفسها تركض وراء غزالٍ بعيد، تظن أنها ستلحق به، لكنه كلما اقتربت منه ابتعد أكثر، تاركًا لها سرابًا براقًا لا ينتهي. 


أما الطفل، فكان يرى الزمن غيمةً ملونة، يضحك معها ويغلق عينيه كأنه لم يرَ وحشًا بل لعبةً كونية، فابتسم الزمن له كما لم يفعل مع أحدٍ من قبل.


كان الزمن يطلّ أحيانًا كطائرٍ أسود يحلّق فوق الساحة الكبرى، يترك ظلال جناحيه على وجوه الناس، فيشعرون أن أعمارهم تتساقط كحبات الرمل من بين الأصابع. 


وأحيانًا كان يظهر كبحرٍ هائج، يبتلع السفن والأحلام، ويترك الناجين على شواطئ الذاكرة يتأملون بقاياهم. 


وأحيانًا كان يتجسّد كصوتٍ داخلي، يهمس في آذان البشر: "أنتم لستم سوى لحظاتٍ عابرة في مسرحي الأبدي."


الرجل المسنّ جلس في ساحة المدينة، يراقب الزمن وهو يرقص على حافة المخالب، فشعر أن حياته كلها لم تكن سوى رقصةٍ قصيرة في حضرة الوحش. 


الفتاة اليافعة بكت حين أدركت أن خلودها وهم، وأنها ليست سوى طريدةٍ جميلة في غابةٍ لا تعرف الرحمة. 


أما الطفل، فقد ظلّ يضحك، لأنه رأى في الزمن صديقًا يلهو معه، لا وحشًا يطارده.


وفي النهاية، حين اجتمع أهل المدينة حول الساحة الكبرى، سمعوا صوت الزمن يهمس من بعيد:

"أنا لست كتابًا ولا ساعة… أنا المخلب الذي يرقص بكم على حافة الأبدية."


عندها أدركوا أن النجاة لا تكمن في مطاردته ولا في حبسه، بل في الرقص على إيقاع خطاه، في قبول أنهم جزء من غابته الكونية، وأن جمال وجودهم ينبع من هذا الرقص المهيب، حيث الحرية المطلقة، وحيث السلام الداخلي يولد من قلب الوحش ذاته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا