حقيقة الروح لا تقاس بسطحهم
حقيقة الروح لا تقاس بسطحهم
بقلم: نور خالد أبو عمر
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات كغبارٍ عالق في الهواء، وتزدحم الطرق بالوجوه التي لا تعرف ملامحها، يصبح من الحكمة أن نضع ستارًا خفيفًا على أعماقنا، لا لنخفي حقيقتنا، بل لنحميها من عبث العابرين الذين لا يفقهون معنى الغوص في بحر المشاعر.
السطحية ليست ضعفًا، بل هي درعٌ يصدّ ارتباك الآخرين ويمنعهم من اقتحام نقاء الداخل.
أن تكون سطحيًا مع من لا يستحق عمقك هو فنّ الحماية، فنّ أن تضع حدودًا بينك وبين من يطرق أبوابك بلا وعي، فلا تهب قلبك لكل عابر، ولا تمنح أسرارك لمن لا يعرف قيمتها.
المشاعر العميقة لا تُعطى إلا لمن يقدّرها، أما أولئك الذين يستهينون بها فلا يستحقون سوى قشور الكلمات وظلال الابتسامات.
الشموخ الحقيقي لا يكمن في أن نُظهر عمقنا لكل أحد، بل في أن نعرف متى نصمت، ومتى نُبقي أرواحنا بعيدة عن الضوضاء.
أن تكون شامخًا يعني أن تظل ثابتًا، لا يعنيك ضجيجهم، ولا يزعزعك جهلهم، كجبلٍ يطلّ على وادٍ مليء بالضوضاء لكنه لا ينحني ولا يتأثر.
العظمة ليست في أن نقنع الآخرين بعمقنا، بل في أن نحيا وفق حقيقتنا، غير مبالين بما لا يستحق الالتفات.
السطحية إذن ليست خيانة للذات، بل هي اختيارٌ واعٍ، كمن يضع ستارًا على كنوزه ليحميها من اللصوص.
نحن لا نكذب حين نكون سطحيين، بل نمارس فنّ البقاء بعيدًا عن التلوث العاطفي.
فليس كل من يقترب منا يستحق أن يغرق في محيطنا، وليس كل من يبتسم لنا يستحق أن يلمس جوهرنا.
هناك من يجب أن يُترك على الشاطئ، يتأمل الموج من بعيد، دون أن يُسمح له بالسباحة في العمق.
وفي جوهر الأمر، يكفي أن تكون كما أنت: كاملًا، عميقًا، صادقًا، لا تُهزّك الرياح ولا تُغريك محاولات الآخرين لجرّك إلى سطحهم الضحل.
فالمحيط لا ينتظر اعتراف الذبابة بعمقه، والبحر لا يحتاج إلى شهادة العابرين على أسراره.
أن تحيا وفق حقيقتك هو الانتصار الأعظم، أن تظل وفيًّا لجوهر روحك، غير مبالٍ بما يراه الآخرون سطحًا أو عمقًا.
فالحقيقة لا تُقاس بسطحهم، بل تُقاس بصفاءك الداخلي، وبقدرتك على حماية ذاتك من التلوث العاطفي الذي يملأ هذا العالم.
تعليقات
إرسال تعليق