رَقْصَةُ الرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ النَّسِيم

 






رَقْصَةُ الرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ النَّسِيم

بقلم: نور خالد أبو عمر 

في أعماقِ الروحِ يُولدُ النُّور، وفي سَكِينَتِها تَتَجَلَّى السُّطُور. 

ليس التَّحَرُّرُ خروجًا من سجن المكان، بل هو انِعتاقُ القلبِ من قيود الزمان؛ أن تُخالطَ الناسَ وتسمعَ ضجيجَهم، وتلمسَ جَفاءَهم وإرهاقَهم، دون أن تتذوق المرارة في كأسك، أو تفقدَ السلامَ المنسابَ في أنفاسِك. تلك هي القوةُ العميقة، وتلك هي الحكمةُ الرشيقة.

كل خفقانٍ للتوترِ من حولك، وكل عاصفةٍ تسعى لكسرِ ظِلِّك، ليست حربًا تُقامُ على أرضك، بل بلسمٌ يدعوك لِشِفاءِ نفسِك. 

إنها رسائلُ من أعماقِ الروح، لِتَتَّسِعَ المداركُ لا لتشعل  الجروح، كي تَسمُوَ فوق الأَلَم، وتَعلوَ على سحابِ العَدَم."


فالتسامحُ يا رفيقي ليس عَمًى عن المصائب، ولا تجاهلًا للجراحِ والعواقب، بل هو شجاعةُ الاعترافِ بالوجع، دون أن تجعلَهُ لِهُوِيَّتِك المرجع. هو صرخةٌ هادئةٌ تقول: "أنا أستحقُّ أن أبرأ، وأن أعبُرَ الوعر حتى أُورِقَ وأُزهِر". 

أنت لا تغفرُ لأن الجاني يستحق الغفران، بل لأن قلبَكَ النقيَّ يستحق أن يستريحَ من الأشجان، وأن يتحررَ من قيدِ الضغينةِ والحرمان.

حين تُطلُّ على شاعريةِ مشاعرك، وتَرقُبُها كطيرٍ يحومُ في أفقك، ثم تتنفسُ الصبحَ بوعيٍ جديد، وتلتجئُ إلى الصمتِ كملجأٍ فريد، ستكتشفُ أن الأثقالَ الممتدة، ليست سوى غمامةٍ مرتدة. 

ستجدُ في ذاتك قدرةً على الحياةِ بخفةٍ وبهاء، ككوكبٍ يسيرُ في أوجِ السماء، حتى لو لَفَّك هَزِيمُ العواصفِ والرعود، وضاقَت عليك المسالكُ والعهود.

إن الوعيَ الأصيل لا يبغي منك المثالية، بل يطلبُ الصدقَ في الخَلواتِ والنيّاتِ الندِيّة.

 أن ترى الجرحَ النازفَ فلا تهربَ منه، بل تَحتَضِنَهُ بحنان، وتُرَمِّمَهُ بالأمان، ثم تَمضِي في طريقك السامي المنير.

 فقد خُلِقْتَ لِتَطِيرَ في العَلاء، لا لِتَبْقَى حبيسَ الغضبِ والعَناء.

ذلك العَبِقُ الداخليُّ للتحرر، هو شعورٌ أبهى من أن تُحيطَ به الخواطرُ أو يَعكِسَهُ التَّعْبِير. 

كأنك ريشةٌ ناعمةٌ تتراقصُ في حضنِ النسيم، أو فراشةٌ براقةٌ تنسابُ بين أزهارِ الربيعِ والنعيم؛ لا شيءَ يأسِرُك، ولا ظِلَّ يُكَدِّرُك، سوى جَلالِ اللحظة، وجمالِ النَّبْضَة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا