صمتُ الجبالِ وثرثرةُ الوادي

 


نور خالد أبو عمر تكتب:

صمتُ الجبالِ وثرثرةُ الوادي

تقف الصخرة الملساء على حافة الوادي السحيق منذ أزلٍ بعيد؛ جفّت على ظهرها القرون، وانكسرت عند قسوتها نوباتُ الجفاف وأمواجُ الأمطار، وعبرت بقربها سلالاتٌ من البشر ينادون بأسماء إمبراطورياتهم، يرفعون الصروح العاتية، ويموتون في سبيل شبرٍ من التراب. لم تبتسم الصخرة لمعاركهم، ولم تندب رحيلهم، بل ظلت شاخصةً في مكانها، تتلفع بهيبة العظمة الصامتة.

لقد ابتكر الإنسان الكلام، وصاغ المعاجم، ثم وقع في وهمٍ قاتل؛ إذ ظنَّ أنه بالصراخ والحديث المتواصل يمتلك الحقيقة ويقبض على زمام التأثير. نرفع أصواتنا لنخنق صوت المخالف، ونملأ خلواتنا بالضجيج خوفاً من السكون الذي يواجهنا بفراغنا الذاتي؛ غير أن الكلمات غالباً ما تُشوه الحقائق بدلاً من أن تجلوها. إننا نشبه من يحاول رسم وجه الماء الجاري بريشةٍ ناعمة؛ كلما خططنا حرفاً ظناً منا أننا وثّقنا اللحظة، جرف الموج رسمنا لنظل نحدق في السراب.

ليس الحديث المتواصل دليلاً على سعة العلم، بل هو في كثير من الأحيان درعٌ هشٌّ يُداري خوفاً عميقاً من مواجهة الذات. نحن نتكلم لنهرُب، ونكتب لنؤجل التفكير، ونطلق الصخب كي لا نسمع صدى أسئلتنا الكبرى. أما الصمت، فليس فراغاً أو غياباً للفكرة، بل هو المادة الخام التي تُصنع منها الحكمة، والوعاء الوحيد الذي يستوعب الحقائق المجردة دون أن يخدشها التزييف. في لحظات السكون التام، عندما تهدأ ثورة الكلمات، ينجلي الغبار وتظهر الأشياء بعريها الأول؛ ترى أخطاءك بلا تبرير، وتدرك حجمك الحقيقي دون إطراء كاذب.

تكمن المفارقة الكبرى في أن كل القوى العظمى في هذا الوجود تعمل في صمتٍ مطبق؛ فالأرض تدور حول الشمس بسرعة هائلة دون أن تصدر صفيراً، والنباتات تشق التراب وتنسج الخضرة في هدوءٍ عجيب، والخلية التالفة في جسدك تتجدد وتستعيد عافيتها دون أن تدعوك لسماع حراكها. كل معجزات التكوين البنائية تتم بعيداً عن صراخ البشر، بينما لا نلاحظ نحن سوى الكوارث التي تصنع الضجيج، كالبركان حين ينفجر أو الجدار حين ينهار؛ لقد نسينَا أن البناء بطبعه صامت، وأن الضجيج دائماً قرين التفكك والتداعي.

إن الحقيقة الأكبر التي نتغافل عنها في هذا العالم المزدحم بالصراخ، هي أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على إقناع الآخرين بصوتك العالي، بل في الشجاعة الإنسانية للجلوس في صمت ومواجهة الوجود كما هو. غير أن غرور الإنسان يجعله يملأ الكون بالخطابات والتغريدات والكتب، محاولاً بائساً إثبات وجوده عبر الصوت. إن الصمت هو اللسان الأصيل للكون، وعظمة الوعي لا تتجلى في كثرة ما نقول، بل في قدرتنا على الإنصات للهمس الخفي الذي تتنفس به الحياة، قبل أن يطوينا الصمت الأبدي الذي يسع الجميع دون استثناء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا