السماء ذات الحُبُك: نسيج القدر الكوني
السماء ذات الحُبُك: نسيج القدر الكوني
بقلم: نور خالد أبو عمر
ولم يكن هذا الانفصال العظيم مجرد بعثرة عشوائية لكتل الغبار السديمي في خلاء بارد، بل كان خطًّا لأول سطر في كتاب الملكوت الشاسع.
إن السماء التي انبسقت لتكشف عن عظمتها، بعد أن بدأت في مطلعها كـ "دخان" متماسك، لم تكن سوى حبر النور الإلهي قبل أن يتجسّدَ في كلماتٍ ومجراتٍ، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
هذا الدخان الذي يصفه القرآن يحتاج إلى تدقيق في مقارنته بما يسميه العلماء "البلازما البدائية"، إذ ليست المصطلحات الفيزيائية الحديثة مترادفة مع التعبير القرآني، وإن كان كلاهما يشير إلى حالة أولية للكون.
وقد رصد تلسكوب جيمس ويب ظهور المجرات الأولى بعد أكثر من ثلاثة عشر مليار سنة من الزمن الذي نرصده اليوم، وكأنها الحروف الأولى لقصيدة الخلق العظمى.
إن هذا الوجود الذي لا يكف عن التنفس عبر اتساعه الدائم والمستمر—كما أخبر الحق جل وعلا:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾—يمثل في جوهر العرفان العلوي وعاء الزمان النبضي الحاضن للمصائر.
هذا التمدد الكوني الذي يقيسه العلماء بمعدل هائل ويُفسَّر بوجود الطاقة المظلمة، ليس مجرد تباعد فيزيائي صامت، بل هو امتداد لـ "لوح القدر" وتدفق مستمر للحوادث وتقلبات العصور.
فالسماء ذات "الحُبُك"، في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾، تُفسَّر علميًا بأنها شبكة المجرات والمادة المظلمة المعروفة بـ "النسيج الكوني"، بينما هي في العرفان خريطة زمنية شاسعة رُقمت فيها الملاحم وخُطت فيها مصائر البشرية.
وفيما تسبح الكواكب والنجوم في أثيرها الجاذبي الزمكاني تحقيقًا لقوله عز وجل: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإنها تتحرك كالأقلام الحية التي تخط مواقيت التحولات الكبرى للأمم.
النجوم في الفيزياء هي مصانع العناصر الثقيلة عبر الاندماج النووي؛ تنتج الكربون والأكسجين والحديد الذي يشكل أجسادنا وكواكبنا، بينما هي في علم الحروف رموز نورانية، وفي علم الجفر كلمات بليغة من كلمات القدر.
وتتحول "البروج" في الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾، من مجرد منازل فلكية رصدية إلى خزائن زمنية مشحونة بأسرار الأنبياء والكتب الأولى التي حواها "الجفر الأبيض".
ومن هذا الأفق الفلسفي الشاهق، يُعاد بعث مفهوم "التنجيم" في حقيقته العرفانية الأولى؛ فهو ليس ذلك الرصد العامّي المبتذل للطوالع، ولا ادعاءً لغيبٍ استأثر الله جل جلاله به، بل هو "علم قراءة الخط الكوني" وفك شفرات الحركات الفلكية بوصفها انعكاسًا للمقادير الإلهية في مرآة الوجود.
إن المنجم العارف هنا لا يتكهن بالمستقبل، بل يقرأ حركات الأفلاك كحروفٍ في كتاب الملكوت الشاسع، تومض بالإشارات الدالة على تحولات الأمم وتقلبات العصور.
أما النجوم التي جعلها الله أمنة للسماء: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، فهي في العلم الحديث أوتاد الوجود التي تضبط توازن المادة عبر قوى الجاذبية.
ولأن السماء بناء مصمت وسبع سماوات طباقًا وسقف محفوظ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، فإن هدوءها الظاهري المرئي يخفي خلفه صخبًا قدسيًّا وهيبة ترتجف لها أركان الوعي البشري، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: «أطّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله».
فالسماء تئط تحت وطأة الجلال، حيث الازدحام الملائكي الحاشد يملأ فراغات ما بين النجوم سجودًا وتسبيحًا لا ينقطع، حتى إذا انكدرت يوم القيامة: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، انفتح الغلاف الميتافيزيقي لتلتقي بدايات الخلق بنهاياته.
وفي ذروة هذا الالتحام العرفاني بين العوالم العليا والسفلى، يبرز سر "التطنجين"؛ ذلك البرزخ المعرفي الفاصل الذي يقف عليه العارف المستوعب لأسرار الجفر، ناظرًا ببصيرته إلى عالم الملكوت العلوي وعالم الملك المادي في آن واحد.
الإنسان في هذا المقام لا يعود مجرد قزم يرقب النجوم من قاع الأرض، بل يصبح مرآة واعية تنعكس فيها عتبات العرش والكرسي العظيم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وحين تتلاشى المقاييس الرياضية البشرية أمام عظمة الكرسي الذي تبدو السماوات السبع بكل بلايين مجراتها وسدمها أمامه كحلقة حديدية صغيرة ضائعة في صحراء شاسعة مقارنة بالعرش الإلهي المحمول بالملائكة الثمانية: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾،
والنهاية الحتمية؛ حيث سيُقبض هذا الوجود ويُطوى كطيّ السجل للكتب بيمين القادر:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
هناك... يعود الكون كله إلى نقطة الرتق الأولى، وتنتهي قصيدة الخلق الطويلة بالصمت الوجودي الخاضع لجلال الأحدية وتوحيد الحق المطلق.
تعليقات
إرسال تعليق