طفل داخلي… حضن يولد من الذات
طفل داخلي… حضن يولد من الذات
بقلم: نور خالد أبو عمر
التشافي ليس صدفةً تُمنح ولا وصفةً تُستعار، بل هو سفرٌ أبديّ في مجرّة الروح، رحلةٌ تتدفّق من نهرٍ صامت يسكن أعماق الكيان.
يبدأ حين نصغي إلى صدى الطفولة الكامنة فينا، ذلك الطفل الذي ما زال يحمل آثار الحرمان والخذلان، ويبحث عن حضنٍ لم يُمنح يومًا، عن يدٍ لم تُمدّ، عن صوتٍ لم يُطمئن.
إن سرّ التشافي يكمن في أن نصبح نحن الأب والأم لذلك الكائن الصغير؛ أن نكون الحنان والحزم، الأمان والرعاية، أن نعيد صياغة الحكاية بأوتارٍ عذبةٍ تتردّد كالأمطار، فنفتح أبواب النهار، ونغدو المنبع الأصيل للحب والقرار.
الأب الداخلي هو صوت الحكمة والاتزان، يمنحنا الحدود والأمان، يعلّمنا أن القوة ليست قسوة بل اتزان، وأن الحزم لا يلغي الرحمة بل يحرسها.
والأم الداخلية هي نبع الحنان والقبول، تمنحنا الرعاية والاحتواء، تزرع فينا بذور الطمأنينة، وتعلّمنا أن نكون لأنفسنا الحضن الذي افتقدناه.
وحين يتعانقان في داخلنا، نصبح قادرين على احتضان كل جزء هشّ فينا، فنمنحه ما يحتاجه ليزدهر، ويتحوّل الصوت الداخلي إلى وعدٍ صادق: "أنا هنا، لن أتخلى عنك."
لسنا نغيّر الماضي، لكننا نعيد كتابته بلغة النور؛ نعيد رسمه كلوحةٍ سماوية تتلألأ فيها النجوم، ونحوّله من رماد التجارب إلى مجرّةٍ جديدةٍ تضيء الطريق.
كل إصغاءٍ لنداء الداخل ترتيل، كل فرحٍ يُفتح له الباب إشراق، كل حدٍّ يُرسم حول الذات قوسٌ من نورٍ يحرس القلب.
ومع الوقت، يغدو الطفل الداخلي أكثر قوةً وطمأنينة، فنشعر نحن بالسلام، ونكتشف أن التشافي ليس محطةً تُبلغ، بل هو سفرٌ أبديٌّ في كواكب الروح، حيث الألم يتحوّل إلى حكمة، والخذلان إلى قوة، والحرمان إلى حبٍّ داخليٍّ لا ينضب.
إننا نولد من جديد، لا بأجسادنا، بل بأرواحنا التي تعلّمت أن تكون الحضن الذي افتقدته، والنور الذي يبدّد عتمة الطريق، والمجرّة التي تحتضن كواكبها في انسجامٍ أبديٍّ لا ينكسر.
وهكذا يصبح التشافي فعلًا فلسفيًا عميقًا، كأننا نعيد خلق ذواتنا من رماد التجارب، ونحوّل كل ندبة إلى نغمة، وكل جرح إلى قصيدة، وكل دمعة إلى نجمٍ يضيء سماء الداخل.
تعليقات
إرسال تعليق