بين الماضي والحاضر والمستقبل سراب
بين الماضي والحاضر والمستقبل سراب
بقلم: نور خالد أبو عمر
الزمن ليس خطًّا مستقيمًا ندركه بوضوح، بل هو سرابٌ يتبدّل وجهه بحسب زاوية النظر.
نحن نعيش الحاضر كوميضٍ يتفتّت في اللحظة التي نلمسه، إذ لا يكاد يُدرك حتى ينزلق إلى الماضي، وفي الوقت ذاته نعيشه كجسرٍ مشدودٍ إلى المستقبل، حيث كل فعلٍ بذرةٌ في أرضٍ لم تُزرع بعد.
إنّ وعينا لا يلتقط اللحظة إلا بعد أن تكون قد عبرت؛ فنحن نعيش الماضي إذن في كل إدراك، بينما في بُعدٍ آخر قد تكون الكائنات أو العوالم ترى الزمن دفعةً واحدة: الماضي والحاضر والمستقبل كلوحةٍ مكتملة لا كخطٍّ متسلسل.
بالنسبة لهم نحن نعيش الماضي بينما هم يعيشون الحاضر، أو نحن نعيش الحاضر بينما هم يرون المستقبل.
وهكذا يصبح الزمن نسبيًّا للوعي والموقع في الوجود، لا حقيقةً واحدة، بل شبكةٌ تتشابك فيها اللحظات: الماضي يسكن الذاكرة، الحاضر يتبخّر في الانتباه، والمستقبل يلوح في التوقّع.
نحن إذن لا نعيش الحاضر إلا كوميضٍ يتلاشى، ولا الماضي إلا ذكرى، ولا المستقبل إلا حلمًا مؤجّلًا.
الزمن في جوهره ليس خارجنا، بل هو نحن أنفسنا؛ نصنعه بالذاكرة، نعيد تشكيله بالوعي، نؤسطره بالشعر.
الماضي ليس سوى أرشيفٍ من الصور والأصوات، نعيد استدعاءه كلما أردنا أن نثبت لأنفسنا أنّنا كنّا موجودين.
لكنه ليس ثابتًا، بل يتلوّن بظلال الحاضر، ويتحوّل مع كل إعادة سردٍ أو استحضار.
أما الحاضر فهو لحظةٌ مراوغة، لا تُمسك إلا حين تفلت، كبرقٍ يضيء ثم يختفي، كأنّنا لا ندركه إلا حين نفقده.
والمستقبل، ذلك الأفق البعيد، ليس إلا انعكاسًا لرغباتنا ومخاوفنا؛ نصنعه بالخيال، ونزرعه بالأمل، ونراه في أحلامنا أكثر من الواقع.
الزمن إذن ليس حقيقةً موضوعية، بل هو بناءٌ داخليّ، مرآةٌ لوعينا، ونتاجٌ لتجربتنا.
نحن من يمنحه المعنى، نحن من نخطّ على صفحته قصصنا وأساطيرنا، نحن من نحيله إلى شعرٍ يتردّد في أصداء الذاكرة.
الزمن ليس خارجنا، بل يسكننا، يتشكّل في وعينا، ويتحوّل إلى أسطورةٍ نرويها لأنفسنا لنحتوي عبورنا في هذا الوجود.
وهكذا يبقى السؤال أبديًّا: أيُّ زمنٍ نعيش حقًّا؟
هل نحن أسرى الماضي الذي يعود إلينا بلا انقطاع؟
أم نحن أبناء الحاضر الذي يتبخّر في اللحظة ذاتها؟
أم نحن عشّاق المستقبل الذي لا يأتي إلا في صورة حلمٍ مؤجّل؟
ربما نحن كل ذلك معًا، وربما نحن لا شيء منه، بل مجرّد كائناتٍ تسبح في بحرٍ من اللحظات، تبحث عن معنىٍ في سرابٍ لا يُمسك، وتحوّل الزمن إلى قصيدةٍ مفتوحة على احتمالات الوجود.
https://t.ly/BHMB2
تعليقات
إرسال تعليق