الفوضى طريق خفي نحو الحكمة

 


الفوضى طريق خفي نحو الحكمة

بقلم:نور خالد أبو عمر 
حينَ تَهدَأُ العاصِفَةُ ويَسكُنُ الضَّجيجُ، تَبدَأُ الرُّؤيَةُ في الاتِّساعِ، ويَكشِفُ لكَ الزَّمنُ تفاصِيلَ لَم تَكُن تَراها في خِضَمِ الأَحْداثِ.


كُلُّ إِشارَةٍ كانَت هُناكَ، واضِحَةً لِمَن يَتَأمَّلُها، لَكِنَّكَ كُنتَ غارِقًا في اللَّحظَةِ، مُنشَغِلًا بِالمَضي قُدُمًا دُونَ أَنْ تُدرِكَ أَنَّ كُلَّ خَطوَةٍ كانَت تُهَيِّئُكَ لِلَّحظَةِ الإِدراكِ الَّتي تَأتي في وَقتِها المُقَدَّرِ.

في تِلكَ الفَتَراتِ الَّتي تَبدُو كَأَنَّها غَيبوبَةٌ عَنِ الحَقيقَةِ، لا يَكونُ الأَمرُ مُجرَّدَ غِيابٍ عَنِ الوَعيِ، بَل هُوَ إِعدادٌ داخِلِيٌّ، لرِحلَةٍ لا بُدَّ مِن خَوضِها حَتَّى تَنضُجَ الرُّوحُ وَتَتَهَيَّأَ لِاستِقبالِ الفَهمِ العَميقِ.

الإِدراكُ المُتَأَخِّرُ لَيسَ خَطَأً، بَل ضَرورَةٌ، فَهُوَ يَأتي حينَ تَكونُ جاهِزًا، حينَ يَصبِحُ القَلبُ قادِرًا عَلَى الاستِيعابِ دُونَ أَنْ يَهتَزَّ، حينَ يَكونُ العَقلُ مُهَيَّأً لِفَهمِ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ كانَ يَحدُثُ وَفقَ تَرتيبٍ إِلهيٍّ دَقيقٍ، وَأَنَّكَ كُنتَ تُقادُ بِرِفقٍ، حَتَّى دُونَ أَنْ تُدرِكَ الوِجهَةَ.

رُبَّما يَبدُو الطَّريقُ ضَبابِيًّا في لَحَظاتِهِ الأُولى، وَرُبَّما تَتَساءَلُ لِماذا لَم تَفهَمْ مِنَ البِدايَةِ. 

لَكِنَّ حينَ يَأتي الضَّوءُ، تُدرِكُ أَنَّ التَّأخيرَ لَم يَكُن إِلَّا تَأهيلًا لِلرُّوحِ، لَحظَةَ تَصالُحٍ مَعَ الحَقيقَةِ بِكُلِّ نَقائِها.

ما كُنتَ تَظُنُّهُ فَوضى كانَ تَرتيبًا خَفِيًّا، وَما بَدا صُدْفَةً كانَ جُزءًا مِن مَسارٍ مَحسوبٍ، رَسَمَتْهُ يَدُ الحِكمَةِ بِلُطفٍ، وَتَرَكَتْهُ يَتَكَشَّفُ أَمامَكَ في وَقتِهِ الَّذي لَن تُخطِئَهُ أَبدًا.

وحينَ تَلتَفِتُ إلى الوَراءِ، تَرى أَنَّ كُلَّ عَثرَةٍ كانَت دَرسًا، وَكُلَّ انكسارٍ كانَ مَعبرًا إلى قُوَّةٍ أعمَق. 

تُدرِكُ أَنَّ الأَلمَ الَّذي كُنتَ تَلعَنُهُ، كانَ في الحَقيقَةِ مِفتاحًا لِبَابٍ لَم يَكُن لِيُفتَحَ دُونَهُ.

تَتَكشَّفُ لكَ الصُّوَرُ كَأَنَّها لوحَةٌ بَدَأَت تَتَّضِحُ مَلامِحُها بَعدَ طولِ صَبرٍ، وَتَفهَمُ أَنَّ كُلَّ خَيطٍ كانَ يَرتَبِطُ بِآخَر، وَكُلَّ تَفصِيلٍ كانَ يَنتَظِرُ أن يَظهَرَ في مَكانِهِ الصَّحيحِ.

هُنا، يَتَحوَّلُ التَّأخيرُ إلى هِبَةٍ، وَيُصبِحُ الانتِظارُ مَدرَسَةً، وَتَكتَشِفُ أَنَّ الرُّوحَ لا تَنضُجُ بِالعَجَلَةِ، بَل بِالتَّمهُّلِ الَّذي يُعَلِّمُها كيفَ تَتَلقَّى النُّورَ دُونَ أن تَرتَجِفَ.

إنَّهُ مَشهَدُ التَّكامُلِ، حَيثُ يَتَحوَّلُ الغُموضُ إلى وَضوحٍ، وَيَتَبدَّلُ الضَّبابُ إلى أُفقٍ صَافٍ، وَتَعرِفُ أَنَّ كُلَّ ما مَرَرتَ بِهِ لَم يَكُن سِوى مَقدِّمَةٍ لِلحَظَةِ الَّتي تَستَوعِبُ فيها أنَّ الحِكمَةَ كَانَت تُرافِقُكَ مُنذُ البِدايَةِ، وَأنَّكَ لَم تَكُن ضَائِعًا قَط، بَل كُنتَ تَسِيرُ في طَريقٍ مَرسُومٍ بِعِنايةٍ، يَنتَظِرُكَ لِتَبلُغَ مَقامَ الفَهمِ العَميقِ.

في لحظةِ النورِ الأخيرةِ، تَنكَشِفُ الفَوضى كَطَريقٍ خَفِيٍّ، يَحمِلُكَ إلى حِكمةٍ أصفى وأعمق.  

هُناكَ، يَتَحوَّلُ كُلُّ تَأخيرٍ إلى مَقامِ اكتمالٍ، وتُدرِكُ أنَّ الرُّوحَ لم تَكُن تَضلُّ، بل كانت تُقادُ إلى مَعرِفَتِها الحقّة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثالوث التجهيل وتفكيك الهالة المقدسة

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا

بعوضة… وحقيقة أكبر منّا