صرخة الوعي بين الأسطورة والسياسة
صرخة الوعي بين الأسطورة والسياسة
بقلم: نور خالد أبو عمر
في عالمٍ تتشابك فيه الأساطير مع السياسة، وتُدار العقول داخل مصفوفةٍ خفيةٍ تنسجها القوى المهيمنة، ينهض المخلّص الداخلي كصرخةٍ وجوديةٍ لا تُستعار من الخارج بل تُستولد من أعماق الذات؛ هو النور الذي يشقّ العتمة، واليقظة التي تكسر القيود، والرمز الذي يحرّر الإنسان من أسر السرديات المصطنعة.
قال الله تعالى: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾،
لتضع أمامنا صورةً مهيبةً عن طبيعة الوجود، حيث يغدو العالم اختبارًا ومعبرًا لا غايةً نهائيةً،
وقال النبي ﷺ: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"،
في إشارةٍ إلى أن الواقع ليس نهائيًا بل هو امتحانٌ للوعي، وأن التحرر لا يكون إلا بالمعرفة والتدبر.
الميتافيزيقا هنا ليست علماً جامداً، بل مرآةً كونيةً تكشف عمق الصراع بين الإنسان ووجوده، بين العقل والعدم، بين اللغة والوعي؛ فـ كانط يرى أن العقل يفرض بنياته على التجربة فلا نعرف الأشياء كما هي في ذاتها بل كما تُعطى لنا، فيبقى وعينا محاطًا بالحدود كطائرٍ يحلّق في فضاءٍ لا يبلغ نهايته، وهيدجر يذكّرنا أن الإنسان هو الكائن الذي يواجه وجوده في سياق الزمان والموت، وأن التحرر يبدأ من مواجهة العدم لا من الفرار منه، أما دريدا فيعلن أن الحقيقة ليست حضورًا مطلقًا بل أثرٌ مؤجلٌ يتشظى في اللغة، حيث كل كلمة تحمل ظلها وغيابها، فيغدو النص ساحةً للصراع بين الوهم والوعي، فيما تُقرأ عند بسكالس فكرة أن الوعي عاهة ميتافيزيقية تجعل الإنسان ممزقًا بين ما هو وما يريد أن يكون، ككائنٍ يسير على حافة الأبدية مثقلًا بقلقٍ لا شفاء منه إلا بالمعنى.
أما القرآن الكريم فيجعل التدبر فعلًا وجوديًا لا مجرد تلاوة، إذ يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ… لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾، و﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، و﴿فِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾،
لتجعل التدبر مفتاحًا لكسر المصفوفة وتربط بين الوعي الداخلي والكوني.
قال ابن خلدون: "الناس في كل عصرٍ محتاجون إلى وازعٍ يردعهم ويقيمهم على الجادة"، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى صورة المخلّص في المخيال الجمعي، لكن الحقيقة الجوهرية أن المخلّص ليس قائدًا خارجيًا بل رمز داخليٌّ كامنٌ في أعماق كل فرد،
وقال ابن القيم: "الإخلاص هو الدواء النافع لمرض العشق والهوى" ليؤكد أن الخلاص يبدأ من الداخل، من نقاء النية وصفاء الوعي.
وهكذا يصبح الإنسان الواعي هو المخلّص الحقيقي، الفيروس المعرفي الذي يخترق النظام ويعيد برمجته من الداخل عبر التدبر والإخلاص لا عبر الانتظار السلبي، وحين ننجح في صياغة لغتنا الخاصة وتحويل مخاوفنا إلى معرفةٍ رصينةٍ نتحول نحن إلى المخلّصين الذين يكسرون قيد المصفوفة ويفتحون أبواب الوعي الجمعي على أفقٍ جديدٍ من النور، مستجلبين الحكمة الأزلية: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"، كصيحة يقظة وجودية للاستيقاظ التام والخروج من دهاليز المحاكاة قبل فوات الأوان.
تعليقات
إرسال تعليق