بين ندبةٍ فُرضت ووشمٍ اخترناه
بين ندبةٍ فُرضت ووشمٍ اخترناه
بقلم: نور خالد أبو عمر
تخيّل ذراعين؛ على الأولى ندبةٌ خلّفها حادثٌ عابر، أثرٌ اقتحم الجسد دون إذن، واستقر شاهدًا على لحظةٍ لم يكن لك فيها قرار. وعلى الأخرى وشمٌ اختاره صاحبه بكامل وعيه، وجلس لأجله ساعاتٍ يصادق الألم، لأنه أراد لهذا الأثر أن يبقى.
كلاهما وُلد من وجع، وكلاهما ترك علامةً لا تزول بسهولة، لكن الفرق بينهما ليس في مقدار الألم، بل في معنى الإرادة؛ فالندبة تذكارُ ما حدث لنا، أما الوشم فإعلانُ ما اخترناه لأنفسنا.
وهذا الفرق البسيط في ظاهره يكشف جانبًا عميقًا من التجربة الإنسانية. فليست كل الآثار التي نحملها من صنع أيدينا؛ بعضها تركه فقدٌ مباغت، أو خذلانٌ لم يكن في الحسبان، أو مرضٌ اجتاح أيامنا دون موعد. تلك ندوب الروح؛ لم نخترها، ولم نستأذن في قدومها، لكنها وجدت طريقها إلينا واستقرت في ذاكرتنا.
وفي المقابل، هناك آثارٌ أخرى صنعناها بإرادتنا؛ أفكارٌ اعتنقناها بعد رحلة شكٍّ وبحث، وقيمٌ تمسكنا بها رغم كلفتها، وعاداتٌ شُيّدت بالصبر والتكرار، وعلاقاتٌ اخترنا خوضها رغم ما تنطوي عليه من احتمالات الفقد والانكسار. هذه هي الأوشام المعنوية التي تنطبع في أعماقنا؛ لأننا قبلنا ثمنها عن وعي، ورضينا بما تتركه من أثر.
غير أن الحكمة لا تكمن في التمييز بين الندبة والوشم فحسب، بل في القدرة على تحويل إحداهما إلى الأخرى. فالإنسان لا يملك دائمًا اختيار ما يقع له، لكنه يملك اختيار المعنى الذي يمنحه لما وقع. وحين يستخرج من الخيبة بصيرة، ومن الفقد نضجًا، ومن الألم رحمةً، فإنه لا يمحو الندبة، بل يعيد صياغتها. وعندها تتحول من أثرٍ فرضته الظروف إلى أثرٍ اختاره الوعي.
فالحدث قد يكون قدرًا، أما معناه فقرار. والجرح قد يُفرض على الإنسان، لكن دلالته الأخيرة لا يكتبها إلا هو. لذلك لا تُقاس قوة المرء بحجم ما تألّم، بل بقدرته على انتزاع المعنى من قلب المعاناة، وصنع حكمةٍ من بين شقوق الانكسار.
إن أجمل الآثار ليست تلك التي خلت من الوجع، بل تلك التي انتصرت على عبثه. فالحياة لا تُشكّلنا بما تمنحنا أو تحرمنا، وإنما بما نختار أن نصير إليه بعد كل ما مرّ بنا.
الندوب تكتب تاريخ ما كسرنا، والأوشام تكتب تاريخ ما اخترنا. وبينهما تُقاس حياة الإنسان.
تعليقات
إرسال تعليق