المشاركات

**واحدةٌ وأربعون عاماً... وامرأةٌ لم تنكسر**

صورة
  **واحدةٌ وأربعون عاماً... وامرأةٌ لم تنكسر** بقلم: نور خالد أبو عمر اليوم أُتمُّ عامي الحاديَ والأربعين، ولا أقفُ أمامَ هذا الرقمِ بحياءٍ أو خشيةٍ من الزمن، بل أقفُ أمامَه منتصبةَ القامةِ، مرفوعةَ الرأس، كمن أنهت معركةً طويلةً وخرجت منها لا مهزومةً، بل أشدَّ صلابةً مما كانت في أولِ يومٍ من هذه الرحلة. لم تكن هذه الأعوامُ الواحدةُ والأربعون نزهةً هادئةً على شاطئٍ آمن؛ كانت ميادينَ حقيقيةً خُضتُ فيها معاركَ لا يعرفُ حجمَها إلا مَن عاشها. واجهتُ مواقفَ تنوءُ بحملِها الجبال، وتحدّياتٍ لو وُضعت على أكتافِ كثيرٍ من الرجالِ لانحنَت ظهورُهم قبل أن يبلغوا منتصفَ الطريق. لكنّي لم أنحنِ، ولم أطلبِ الاستسلامَ رخصةً لنفسي؛ حملتُ ما حُمّلتُه، وسِرتُ حين كان السيرُ نفسُه معجزةً، وابتسمتُ حين كانت الابتسامةُ أصعبَ من الدمع. وأصعبُ المعاركِ التي خضتُها لم تكن يوماً تلك التي واجهتني من الخارج؛ فالعدوُّ الخارجيُّ - مهما اشتدَّ - يبقى واضحَ الملامح، تعرفينَ شكلَه واتجاهَ ضربتِه. أما المعركةُ الحقيقيةُ الكبرى، فكانت معي أنا: مع صوتي الداخليِّ حين كان يهمسُ بالاستسلام، مع خوفي حين كان يُحاولُ إقناعي ب...

لماذا اختفت الفلسفة؟ العقل مرتبط بواقعه السياسي والديني

صورة
  نور خالد أبو عمر تكتب: لماذا اختفت الفلسفة؟ العقل مرتبط بواقعه السياسي والديني الفلسفة لم تختفِ من ثقافتنا لأنها عجزت عن تقديم إجابات، بل لأن أسئلتها كانت أكبر مما تحتمله موازين القوى القائمة، الدينية منها والسياسية على حد سواء. فالعقل، كما نعرف، ليس كائناً معزولاً يطير فوق الزمان والمكان، بل هو نتاج بيئته: يزدهر حين تتسع مساحة الحرية من حوله، وينكمش حين تضيق. وحين ساد الفكر السني بصيغته الغالبة، وتراجع تيار المعتزلة الذي جعل من العقل حَكَماً أول ومن حرية الإنسان قيمة لا تُمس، لم يكن هذا مجرد خلاف كلامي بين مدرستين، بل كان لحظة فارقة حدّدت مسار الأمة الفكري لقرون تالية. المعتزلة، بإصرارهم على أن الإنسان حرّ ومسؤول عن أفعاله، فتحوا بذلك باباً أوسع بكثير مما يبدو ظاهرياً: باب التأويل. فالتأويل يعني أن النص ليس له وجه واحد جامد، بل وجوه متعددة يكشفها عقل مدرَّب قادر على الغوص خلف السطح. وهذه بالضرورة فكرة نخبوية، لأنها تفترض تفاوتاً في القدرة على الفهم، وترفض فكرة أن الحقيقة معطاة جاهزة لكل من يقرأ. لكن حين انحسر هذا التيار لصالح رؤية ترى الحقيقة واحدة نهائية لا تقبل القسمة، تجمد ا...

عبودية ناعمة في عصر الشاشات

صورة
  كتبت: نور خالد أبو عمر  عبودية ناعمة في عصر الشاشات لم يعد الاستعبادُ صرخةَ جبارٍ، ولا سياطاً تُلهبُ أجسادَ الأحرارِ، بل أضحى يتسللُ في الهواءِ كالنسمةِ الساحرةِ، يغري القلوبَ بطعمِ الراحةِ والسكينةِ الظاهرةِ. إن التحكمَ الحديثَ لا يسكنُ الكهوفَ المظلمةَ، ولا يرتدي ثوبَ القسوةِ المُنَظَّمَةِ، ولا يستعينُ بجيوشِ البطشِ المُعلَنَةِ، بل يشرقُ من شاشاتٍ براقةٍ ناعمةٍ، تحولُ الإنسانَ من صانعٍ لأقدارِهِ، إلى أسيرٍ في قفصِ اختيارِهِ.  لقد تغيرت معادلةُ السيطرةِ عبر العصور؛ فبعد أن كان الطغاةُ يكسرون الإرادةَ بالحديدِ والقهرِ والقسوةِ، أدركت المنظوماتُ الرقميةُ أن امتلاك الجسدِ بالقوةِ يصحبه التمردُ والمقاومةُ، وأن امتلاك العقلِ بالراحةِ والرفاهيةِ هو السيطرةُ الدائمةُ والمُطلَقَةُ. لقد أدركت الأنظمةُ الحديثةُ أن قهرَ الإنسانِ بالقوةِ محالٌ، وأن السبيلَ الأقصرَ لامتلاكِ العقولِ هو الاستدراجُ بتمتيعِ البالِ، وتكبيلُ الفكرِ بأوهامِ الكمالِ.  فنحن اليوم لا نُساقُ بالتهديدِ والوعيدِ، بل نُنقادُ بنعيمِ الراحةِ والعيشِ الرغيدِ.  تُحاطُ حياتُنا بخوارزمياتٍ ذكيةٍ، تحصي أنفاسَ...

صمتُ الجبالِ وثرثرةُ الوادي

صورة
  نور خالد أبو عمر تكتب: صمتُ الجبالِ وثرثرةُ الوادي تقف الصخرة الملساء على حافة الوادي السحيق منذ أزلٍ بعيد؛ جفّت على ظهرها القرون، وانكسرت عند قسوتها نوباتُ الجفاف وأمواجُ الأمطار، وعبرت بقربها سلالاتٌ من البشر ينادون بأسماء إمبراطورياتهم، يرفعون الصروح العاتية، ويموتون في سبيل شبرٍ من التراب. لم تبتسم الصخرة لمعاركهم، ولم تندب رحيلهم، بل ظلت شاخصةً في مكانها، تتلفع بهيبة العظمة الصامتة. لقد ابتكر الإنسان الكلام، وصاغ المعاجم، ثم وقع في وهمٍ قاتل؛ إذ ظنَّ أنه بالصراخ والحديث المتواصل يمتلك الحقيقة ويقبض على زمام التأثير. نرفع أصواتنا لنخنق صوت المخالف، ونملأ خلواتنا بالضجيج خوفاً من السكون الذي يواجهنا بفراغنا الذاتي؛ غير أن الكلمات غالباً ما تُشوه الحقائق بدلاً من أن تجلوها. إننا نشبه من يحاول رسم وجه الماء الجاري بريشةٍ ناعمة؛ كلما خططنا حرفاً ظناً منا أننا وثّقنا اللحظة، جرف الموج رسمنا لنظل نحدق في السراب. ليس الحديث المتواصل دليلاً على سعة العلم، بل هو في كثير من الأحيان درعٌ هشٌّ يُداري خوفاً عميقاً من مواجهة الذات. نحن نتكلم لنهرُب، ونكتب لنؤجل التفكير، ونطلق الصخب كي لا ن...

سراديب الأثير تحت العرش

  https://www.facebook.com/share/p/1DMANoM2Po/?mibextid=wwXIfr

رَقْصَةُ الرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ النَّسِيم

صورة
  رَقْصَةُ الرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ النَّسِيم بقلم: نور خالد أبو عمر  في أعماقِ الروحِ يُولدُ النُّور، وفي سَكِينَتِها تَتَجَلَّى السُّطُور.  ليس التَّحَرُّرُ خروجًا من سجن المكان، بل هو انِعتاقُ القلبِ من قيود الزمان؛ أن تُخالطَ الناسَ وتسمعَ ضجيجَهم، وتلمسَ جَفاءَهم وإرهاقَهم، دون أن تتذوق المرارة في كأسك، أو تفقدَ السلامَ المنسابَ في أنفاسِك. تلك هي القوةُ العميقة، وتلك هي الحكمةُ الرشيقة. كل خفقانٍ للتوترِ من حولك، وكل عاصفةٍ تسعى لكسرِ ظِلِّك، ليست حربًا تُقامُ على أرضك، بل بلسمٌ يدعوك لِشِفاءِ نفسِك.  إنها رسائلُ من أعماقِ الروح، لِتَتَّسِعَ المداركُ لا لتشعل  الجروح، كي تَسمُوَ فوق الأَلَم، وتَعلوَ على سحابِ العَدَم." فالتسامحُ يا رفيقي ليس عَمًى عن المصائب، ولا تجاهلًا للجراحِ والعواقب، بل هو شجاعةُ الاعترافِ بالوجع، دون أن تجعلَهُ لِهُوِيَّتِك المرجع. هو صرخةٌ هادئةٌ تقول: "أنا أستحقُّ أن أبرأ، وأن أعبُرَ الوعر حتى أُورِقَ وأُزهِر".  أنت لا تغفرُ لأن الجاني يستحق الغفران، بل لأن قلبَكَ النقيَّ يستحق أن يستريحَ من الأشجان، وأن يتحررَ من قيدِ الضغينةِ ...

ضوء ماضٍ ورمادُ حاضرٍ يمر

صورة
  ضوء ماضٍ ورمادُ حاضرٍ يمر بقلم: نور خالد أبو عمر  نضع قطرة ماءٍ في جهاز التجميد فتتصلب، وننظر إلى التجاعيد حول أعيننا فنُطلق عليها "كِبَر السن"، نسجل مواعيدنا في تقويم رقمي فنظن أننا أحسنّا تنظيم يومنا ومستقبلنا؛ لقد ابتكر الإنسان الساعة، وزخرف عقاربها، وتقاسم دقائقها، ثم وقع في وهمٍ قاتل أنه بذلك قد امتلك الزمان.  يتعامل البشر مع الوقت كأنه مساحة عقارية أو خط مستقيم يمشون عليه؛ نشتري منه ونبيع، نركض لنسبقه، ونخاف أن يداهمنا، لكن الحقيقة الصادمة هي أننا لا نملك الزمان، بل نعيش في آثاره فقط.  إننا نشبه من يحاول الإمساك بالنهر براحتي كفيه؛ كلما أطبق قبضته ظناً منه أنه حواه، تسرب الماء من بين أصابعه ليتركه يواجه الفراغ. إن الماضي ليس ألبوماً من الذكريات المخزنة في الذاكرة، بل هو المادة الوحيدة التي صاغت لحظتك الحالية؛ أنت تتكون من كل ثانية مضت وتلاشت ولا يمكنك استعادة جزيء واحد منها مهما أوتيت من قوة.  أما الحاضر—تلك اللحظة التي تظن أنك تمسك بها وتعيشها—فهو أسرع شيء يتلاشى في هذا الوجود، فبمجرد أن تفكر في الكلمة أو تنطق بها، تخرج من فمك لتصبح فوراً جزءاً من ا...