المشاركات

بين ندبةٍ فُرضت ووشمٍ اخترناه

صورة
  بين ندبةٍ فُرضت ووشمٍ اخترناه بقلم: نور خالد أبو عمر  تخيّل ذراعين؛ على الأولى ندبةٌ خلّفها حادثٌ عابر، أثرٌ اقتحم الجسد دون إذن، واستقر شاهدًا على لحظةٍ لم يكن لك فيها قرار. وعلى الأخرى وشمٌ اختاره صاحبه بكامل وعيه، وجلس لأجله ساعاتٍ يصادق الألم، لأنه أراد لهذا الأثر أن يبقى. كلاهما وُلد من وجع، وكلاهما ترك علامةً لا تزول بسهولة، لكن الفرق بينهما ليس في مقدار الألم، بل في معنى الإرادة؛ فالندبة تذكارُ ما حدث لنا، أما الوشم فإعلانُ ما اخترناه لأنفسنا. وهذا الفرق البسيط في ظاهره يكشف جانبًا عميقًا من التجربة الإنسانية. فليست كل الآثار التي نحملها من صنع أيدينا؛ بعضها تركه فقدٌ مباغت، أو خذلانٌ لم يكن في الحسبان، أو مرضٌ اجتاح أيامنا دون موعد. تلك ندوب الروح؛ لم نخترها، ولم نستأذن في قدومها، لكنها وجدت طريقها إلينا واستقرت في ذاكرتنا. وفي المقابل، هناك آثارٌ أخرى صنعناها بإرادتنا؛ أفكارٌ اعتنقناها بعد رحلة شكٍّ وبحث، وقيمٌ تمسكنا بها رغم كلفتها، وعاداتٌ شُيّدت بالصبر والتكرار، وعلاقاتٌ اخترنا خوضها رغم ما تنطوي عليه من احتمالات الفقد والانكسار. هذه هي الأوشام المعنوية التي تنطب...

نور خالد أبو عمر كتبت:

لم يكن الليلُ غيابَ الضوء، بل ضوءًا تعلّم الصمت. في آخر الشارع سبقني ظلّي وطرق البابَ بيدٍ لا أملكها. انفتح عن ذاكرةٍ قديمة، خرجت منها طفولتي تحمل مفتاحًا صدئًا وسؤالًا. قلتُ لها: كلُّ ما أغلقتُه ينتظرني بالداخل. ومنذ ذلك اليوم أكتب لأتأكد أنني حيٌّ في مكان ما.

الرملُ الذي يصيرُ ذهبًا

الرملُ الذي يصيرُ ذهبًا نور خالد أبو عمر كتبت: خطأ عظيم أن نتوهم العمر المتقادم ضياعاً، كمن يحسب أن الذهب يخسر شيئاً حين يُسبك! أنت لا تُمحى، بل تُصنع.  انظر إلى الشيخ الذي يرى الغافلون سنواته عبئاً منثوراً؛ إنه ليس كهفاً يُنهَب، بل خزينةٌ تُبنى.  يمشي على مهلٍ كأنّ في صدره ساعةً رمليةً هائلةً امتلأ كيسُها السفليّ حتى ثَقُل، فصار جبلاً من ذهبٍ هادئ.  في تجاعيد وجهه خرائطُ رحلاتٍ لم يخطُها غيرُه، وفي عينيه عمقُ بئرٍ حُفرت عقوداً حتى لامست الماءَ الأول. حين يصمت، يُسمَع في صمتِه حفيفُ رملٍ لا ينتهي، وحين يتكلم، تتساقط كلماتُه كحباتٍ ثمينةٍ صُقلت في ألفِ عاصفة، لا يملكها شابٌ لم يمرّ بما مرّ به.  إنه يحمل كنزاً من الرمل لا يُشترى بمال؛ لأن ثمنه الوحيد أن تعبر الفوّهة الضيقة حبّةً حبّة، وأن تُطحَن في اللحظة الحاضرة حتى تصير جوهراً. والدرس الأعمق أن الساعة لا تعرف عجلةً ولا تباطؤاً؛ تسقط حباتُها بإيقاعٍ واحدٍ كنبضِ قلبٍ لا يلتفت إلى مزاج صاحبه؛ لا يستعجلها قلقُك، ولا يبطئها فرحُك.  ذلك هو الوقت الخارجي، سيّدٌ صارمٌ عادل، يُسوّي بين الفرح والحزن، وبين الانتظار والإنجا...

نور خالد أبو عمر تكتب:

صورة
   شرنقة... وسماءٌ أوسع منها بقلم: نور خالد أبو عمر بخيطٍ واحدٍ رفيعٍ تبدأ اليرقةُ حياكةَ قدرها. لا أحدَ يخشى الخيطَ الأول؛ فهو أضعفُ من أن يكون جدارًا، وأوهنُ من أن يُسمّى قيدًا. لكن خيطًا يتبعه خيط، حتى يلتئم الحريرُ حولها عالمًا كاملًا، وينطفئ ما وراءه من ضوء. عندها تفتح عينيها على العتمة وتُسمّيها: الكون. فجأةً تنسى أن هذه الجدران خرجت من جسدها، وأن العتمة التي تطوّقها كانت يومًا خيطًا في يدها، وأن ما تراه نهايةَ الدنيا ليس إلا حدودَ ما نسجته بنفسها. بالنسبة إليها، لا شيء وراء الجدار. لو سألتَها عن السماء لقالت: «لا وجود لها». ولو حدّثتَها عن الأجنحة لابتسمت ساخرةً: «كلامٌ لا يليق بيرقة». تقف عند شرنقتها كما يقف حارسٌ على بابٍ لا يعرف ما وراءه، ولا تدري أن الجدار الذي تحرسه هو نفسه ما يحول بينها وبين الطيران. وهنا يتسلّل السؤال: ألسنا نحن اليرقة نفسها؟ كم من أفكارٍ نسكنها ولا نعرف كيف بُنيت! بيوتٌ ورثناها كما يُورَّث الأثاثُ والأسماء، ودخلناها صغارًا فحسبناها العالم كلّه. سمعنا: «هكذا وجدنا آباءنا»، فمضينا على الأثر قبل أن نتأمل الطريق.  خيطٌ حريريٌّ دسّته الحكايات في...

نور خالد أبو عمر كتبت

صورة
  في عينِ الناظرِ بحرٌ آخرُ هذا هو سرُّ البحرِ الأعمق: أنه لا يفرضُ على ناظريه معنًى واحدًا، بل يعكسُ لكلٍّ منهم تاريخَه الخاصَّ.  فالملّاحُ الذي ابتلعت عاصفةٌ سفينتَه يومًا سيرى الموجَ تهديدًا كامنًا، وستتوتّرُ يدُه على الدفّةِ حتى في أهدأِ الأيام؛ أمّا الملّاحُ الذي وُلدَ على شواطئِ الأمانِ وعاشَ أسفارًا هانئةً، فسيرى الموجاتِ عينَها دعوةً إلى الرقصِ والانطلاق.  البحرُ لم يتغيّرْ، لكنَّ عينَ الناظرِ تحملُ بحرًا آخرَ في أعماقِها، تُسقطُه على الماءِ الحقيقيِّ أمامَها. ما أشبهَ هذا بمواقفِ حياتِنا! يمرُّ اثنانِ بالتجربةِ ذاتِها: فقدِ وظيفةٍ، أو انتهاءِ علاقةٍ، أو تغييرٍ مفاجئٍ، فيراها أحدُهما كارثةً تُطفئُ الأملَ،ويراها الآخرُ بدايةً جديدةً مليئةً بالفرص؛ وليس ذلك لأنَّ أحدَهما أعمى عن الحقيقة، بل لأنَّ كلًّا منهما ينظرُ إلى الحدثِ نفسِه عبرَ عدسةِ سيرتِه، بجراحِه القديمةِ أو شجاعتِه المكتسبة.  فالحدثُ الخارجيُّ محايدٌ في جوهرِه، لكنَّ المعنى الذي نُلبسُه إيّاه يُنسَجُ كلُّه من داخلِنا. الحكمةُ هنا ليست أن نُنكرَ تعدّدَ الرؤى، بل أن ندركَ أنَّ تباينَ الناسِ في تفسيرِ ...

حين تصير الأجساد أسواقًا... والعُري لغة العصر الصامتة

صورة
  حين تصير الأجساد أسواقًا... والعُري لغة العصر الصامتة نُورُ خَالِد أَبُو عُمَر تَكْتُبُ ثمة عصرٌ يكتب تاريخه بلغة الأجساد لا بلغة العقول، عصرٌ نصّب الجسد إلهًا يُعبَد على مذابح الشاشات، وأخرس الروح التي كانت يومًا لغة الإنسان الأولى. حوّل المرأة من أصلٍ تُكتب به معاني الوجود إلى منصةٍ تُقاس عليها حرارة المزايدة، فصار الإنسان تاجرًا في سوق ذاته، يعرض ما يُشترى ويُخفي ما لا يُباع، كأنّ الوجود كله لم يعد إلا فاتورةً تُقييم  بعدد الأعين لا بعمق القلوب. لم يعد الجسد معبدًا تسكنه الروح، بل واجهةً زجاجية تعرض البضاعة، تُقاس قيمتها بعدد العابرين لا بما تحمله من معنى؛ وكأنّ الحضارة، وهي تفتح نوافذها، نسيت أن النور لا يأتي به الزجاج، بل الشعلة النابضة خلفه،  فتضيء الجدران وتطفأ القناديل. العُري في جوهره لم يكن يومًا خطيئة، فالجسد بريءٌ كبراءة الماء والريح، لا يحمل في أصله عارًا ولا فخرًا؛ إنما الخطيئة وليدة القصد لا وليدة الشكل. الخطيئة أن يصير الجسد لافتةً معلّقة على أبواب الشهرة، وجسرًا يُعبَر نحو المال، وبطاقة دخولٍ إلى علاقاتٍ من الصدق براء. وحين يغدو السفور استراتيجية، تموت ...

نور خالد أبو عمر كتبت

صورة
**ابنتي... نسختي الصغيرة** في كل عام، حين يقترب موعد عيد ميلاد ابنتي، أجلس لحظة أتأمل فيها، وأشعر وكأنني أنظر إلى مرآة تعكس طفولتي وملامحي وروحي في آنٍ واحد. فابنتي ليست مجرد امتداد لي، بل هي صورة طبق الأصل مني، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والأغرب من كل هذا التشابه، أن الأقدار شاءت أن تولد في نفس اليوم الذي وُلدت فيه أنا، بل وفي نفس الساعة تقريبًا! وكأن الزمن أراد أن يعيد الحكاية من جديد، ليمنحني نسخة أخرى مني تحمل نفس التوقيت الذي جئت فيه إلى الدنيا. حين أخبرني الطبيب بذلك للمرة الأولى، شعرت بقشعريرة غريبة، وكأن القدر يقول لي: "ها هي ذي، جئتك في نفس لحظتك، لتكملي فيها ما بدأتِه أنتِ". ومنذ ولادتها، لاحظ الجميع من حولنا هذا التشابه المذهل. عيناها تحملان نفس البريق الذي كان في عيني صغيرة، وابتسامتها تشبه ابتسامتي حين كنت في مثل عمرها. لكن الأمر لا يتوقف عند حدود الشكل والملامح، فالتشابه يمتد إلى الداخل، إلى الروح والطباع وطريقة التفكير. فهي مثلي تمامًا، تحب القراءة وتغرق في الكتب لساعات طويلة، وتمتلك فضولًا لا ينضب تجاه كل ما هو جديد. وكما كنت أفعل في طفولتي، تطرح أسئلة لا تن...